وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
•---------------------------------•
وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي: «أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحل بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟» (١).
ووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله تعالى احتج على المشركين -الذين يعبدون غيره من المخلوقات كالملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام وغيرها- بحجتين عظيمتين:
الحجة الأولى: أن هؤلاء مخلوقون ولا يستطيعون خلق شيء.
والحجة الثانية: أنهم لا قدرة لهم على نفعكم ولا نفع أنفسهم. وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله؛ لأن المخلوق العاجز عن الخلق والنفع لا يستحق العبادة (٢).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ المعنى: أيها الناس إن الذين تعبدونهم من دون ربكم لا يملكون قطميرًا، والقطمير هو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون عليها، فضلًا عما هو فوقه (٣).
﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع، أو أموات لا حيلة لهم (٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٣/ ٣١٩).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٦٣٣)، وفتح المجيد ص (١٨٢)، وقرة عيون الموحدين ص (٨٧).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٤٩)، وتفسير البغوي (٦/ ٤١٧).
(٤) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).
[ ١٦٧ ]
﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي لو جعلنا لهم عقولًا وحياةً وسمعًا فسمعوا دعاءكم قيل: ما استجابوا لكم؛ لأنها عاجزة، وليس كل سامعِ قولٍ يتيسرله الجواب عنه، وقيل: لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر (١).
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي يوم القيامة لا يرضون ولا يُقِرُّون به، بل يتبرأون منكم (٢)، «ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين؛ أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًّا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر ﷾ عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضًا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلًا للعبادة» (٣).
ووجه الدلالة من الآية على الباب: هو أن الله تعالى بَيَّنَ لهؤلاء المشركين أن الذين تدعونهم لا يملكون شيئًا، والمستحق للعبادة هو الخالق المالك المدبر لا غيره، وأكبر دليل على ذلك أنكم لو دعوتموهم لما استجابوا لكم، ولو سمعوا دعاءكم لكانوا عاجزين عن أن يفعلوا لكم شيئًا، وعلاوةً على ذلك أنهم يوم القيامة سوف يتبرأون منكم، ولا يرضون بعبادتكم لهم.
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٥١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٥١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).
(٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).
[ ١٦٨ ]
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟» فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
•---------------------------------•
حديث أنس في صحيح مسلم (١).
«شُجَّ النَّبِيُّ؟»: «الشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء» (٢).
«وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ»: الرَّبَاعِيَة: -بفتح الراء- هي السن التي تلي الثنية من كل جانب، وللإنسان أربع رباعيات (٣).
«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟» المعنى: كيف تتحقق السعادة والرضا والفوز لأمثال هؤلاء وهم يفعلون هذا مع نبيهم (٤)، وهذا «استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به» (٥)، فاستدرك الله على نبيه بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تُنَفذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٤١٧) رقم (١٧٩١) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، وقد أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٩٩) تعليقًا، فقال: «قال حميد وثابت، عن أنس » فذكره بنحوه.
(٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٥).
(٣) ينظر: شرح مسلم للنووي (١٢/ ١٤٨)، وطرح التثريب (٧/ ٢١٢).
(٤) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٢٠).
(٥) تفسير القرطبي (٤/ ١٩٩).
[ ١٦٩ ]
وَفِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الفَجْرِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا» بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
•---------------------------------•
أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي (١).
ومناسبة الحديث السابق للباب: هو أن النبي - ﷺ - لا يستحق شيئًا من العبادة؛ لأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، بل هو مبلغ عن الله تعالى، وإذا كان هذا بالنسبة له فغيره من الأولياء والصالحين من باب أولى، وفي هذا أبلغ رد على المشركين الذين يتعلقون به ﵊، فكيف بمن يتعلق بمن هو دونه؟ (٢).
«وَفِيهِ»: أي الصحيح، والمراد به هنا صحيح البخاري (٣).
«اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا»: هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام كما جاء في الرواية الأخرى التي تليها.
وقد ثبت في صحيح مسلم أنه لعن أحياء من العرب، كما في رواية يونس عن الزهري عند مسلم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ» (٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري (٧/ ١٩٤).
(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٢١٠، ٢١١)، والتوضيح الرشيد ص (١١٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٩٩) رقم (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد الله السلمي، عن عبد الله، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
(٤) صحيح مسلم (١/ ٤٦٦) رقم (٦٧٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٧٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْروٍ، وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
•---------------------------------•
«وَفِي رِوَايَةٍ»: أي في الصحيح (١)، وفيها توضيح من أبهم في الرواية السابقة، كما أشرنا إليه في موضعه.
في الحديث دلالة على أن النبي - ﷺ - لا يملك الضر لأحد، حيث نهي عن الدعاء عليهم وعن لعنهم، فصار من باب أولى أن غيره لا يملك الضر، فبطل بذلك التعلق به - ومن هو دونه من سادة الأولياء من باب أولى - في الضر والنفع (٢).
وهنا لطيفة: وهي أنَّ الإمام بالبخاري - ﵀ - أدخل هذه الترجمة في كتاب الاعتصام بالسنة؛ ليحقق أن الاعتصام في الحقيقة إنما هو بالله، لا بذات الرسول - ﷺ -، إذ الرسول - ﷺ - معتصم بأمر الله، ليس له من الأمر شيء إلا التبليغ. والتبليغ أيضًا من فضل الله وعونه؛ ألا إلى الله تصير الأمور (٣).
_________________
(١) هذه الرواية تلي الرواية السابقة مباشرةً في صحيح البخاري (٥/ ٩٩) رقم (٤٠٧٠) عن حنظلة ابن أبي سفيان، سمعت سالم بن عبد الله يقول: فذكر الحديث؛ ولذلك فهي مرسلة. وقد وصلها أحمد في مسنده (٩/ ٤٨٦) رقم (٥٦٧٤) من طريق عبد الله بن عقيل، والترمذي في سننه (٥/ ٢٢٧) رقم (٣٠٠٤) من طريق أحمد بن بشير، كلاهما (عبد الله بن عقيل، وأحمد بن بشير) عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄. قال الترمذي (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨): «هذا حديث حسن غريب، يُسْتَغْرَب من حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، وكذا أخرجه الزهري، عن سالم، عن أبيه، لم يعرفه محمد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري»، والحديث حسن.
(٢) التوضيح الرشيد ص (١١٢).
(٣) المتواري على أبواب البخاري ص (٤٠٥، ٤٠٦).
[ ١٧١ ]