فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ،
•---------------------------------•
وهل يجب على كل مسلم أن يدعو إلى الله؟
ذكر شيخنا ابن باز - ﵀ -: أن الأصل أنها واجب على الكفاية، وإن قام بها البعض سقطت عن الباقين، شريطة أن تكون الأمة أو الطائفة التي تدعو تكفي، فإذا لم تكن تكفي تعين على الجميع أن يسدوا هذا الواجب، فعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته (١).
«فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» قال ابن حجر - ﵀ -: «قوله خمس صلوات استدل به على أن الوتر ليس بفرض» (٢).
«فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وأنها لا تنفع إلَّا من وحد الله وصلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها، وقد قرن الله الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه (٣).
«تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة (٤).
_________________
(١) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص (١٥، ١٦) بتصرف.
(٢) فتح الباري (٣/ ٣٥٩).
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٩٩)، وقرة عيون الموحدين ص (٣٨).
(٤) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٥٠٦).
[ ٨٢ ]
فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» أخرجاه.
•---------------------------------•
وقوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليل على جواز إعطاء الزكاة لصنف واحد.
وقد بوب البخاري: (باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا) وهذا يدل على أن البخاري يرى جواز نقل الزكاة إلى بلاد المسلمين الأخرى؛ لعموم قوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان، كان ذلك جائزًا.
«فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» «إِيَّاكَ» تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي (١). و«كَرَائِمَ» جمع كريمة أي نفيسة، وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال؛ لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه (٢).
«وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ» «فيه: أن للإمام أن يعظ من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم، ويحذره وباله» (٣).
«فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» هذا تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار السلطان متظلمًا فلا يحجب (٤).
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة، وأنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم (٥).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ١٤٢).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٠)، ونيل الأوطار (٤/ ١٤٠).
(٣) شرح صحيح البخاري (٣/ ٥٤٨).
(٤) فتح الباري (٣/ ٣٦٠).
(٥) شرح رياض الصالحين (٢/ ٥٠٨).
[ ٨٣ ]
وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ»،
•---------------------------------•
حديث سهل بن سعد أخرجه البخاري ومسلم (١).
«لأُعْطِيَنَّ» هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الأول: القسم المقدر، والثاني: اللام، والثالث: النون، والتقدير: والله لأعطين (٢).
«الرَّايَةَ» أي: العَلَم، وسمي راية، لأنه يُرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه (٣). قال ابن القيم - ﵀ -: «وكانت له راية سوداء يقال لها: العقاب، وفي سنن أبي داود عن رجل من الصحابة قال: رأيت راية رسول الله - ﷺ - صفراء وكانت له ألوية بيضاء» (٤).
«رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» فيه اختصاص علي - ﵁ - دون غيره من الصحابة بهذه البشارة، مع أنهم جميعًا يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله، وهي منقبة عظيمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «هذا الحديث أصح ما روي لعلي - ﵁ - من الفضائل» (٥).
وهل هذا لاختصاص يعني أنه أفضل الصحابة كما تقول الرافضة؟
الجواب: إن الخصوصية لا تعني الأفضلية وربما يختص بعض الصحابة ببعض المناقب ولا يكون دليلًا على أنه أفضل من غيره.
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ٤٧) رقم (٢٩٤٢)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٧٢) رقم (٢٤٠٦).
(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ١٣٤).
(٣) المرجع السابق (١/ ١٣٤).
(٤) زاد المعاد (١/ ١٢٧).
(٥) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٤).
[ ٨٤ ]
فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»، فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِي بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ،
•---------------------------------•
وقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - سأل سؤالًا فلم يعرفه إلا ابن عمر وكان أصغر الموجودين، وكان في المجلس أبو بكر، وعمر، وكان هذا السؤال عن الشجرة التي لا يسقط ورقها (١) فوقع في نفسه الجواب، وهذا لا يعني أنَّ ابن عمر كان أفضل الحاضرين.
وقوله: «يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه، فكان الأمر كذلك، ففيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله (٢).
«فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا» يدوكون: أصله من الدَّوْك، من داك يدوك دوكًا، والدوك هو الاختلاط، والمعنى أي يخوضون ويموجون ويختلفون.
أي: كلهم باتوا يفكرون أيهم يعطاها، ليس للإمارة في حد ذاتها وإنما لحب الله ورسوله لمن يعطاها.
«كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا» عمر كان أيضًا يرجوها، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم (٣): أن عمر - ﵁ - قال: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ».
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٣٤) رقم (٦١)، ومسلم (٤/ ٢١٦٤) رقم (٢٨١١).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (١٠٤).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ١٨٧١) رقم (٢٤٠٥).
[ ٨٥ ]
فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ، فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». يَدُوكُونَ: أَيْ يَخُوضُونَ.
•---------------------------------•
«فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقد أحوالهم (١).
«فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ» أي: من الرمد كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص، فقال: «فَأُتِىَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ» (٢).
«فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ» فيه آية من آيات النبوة، وفي رواية: «مَا رَمِدْتُ وَلَا صُدِّعْتُ مُنْذُ دَفَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَيَّ بِالرَّايَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» (٣).
«انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ» أي: مَهْلِك، مأخوذ من رسل الناقة؛ أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينا هوينا؛ لأن المقام خطير؛ لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر (٤).
«حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ» أي: حتى تبلغ فناءهم من أرضهم.
«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ» هذا محل الشاهد من الحديث للباب، «باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله».
_________________
(١) ينظر: فتح المجيد ص (٩١).
(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٧١) رقم (٢٤٠٤).
(٣) أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٥٦) رقم (١٨٥).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ١٣٦).
[ ٨٦ ]