التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ. مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -.
•---------------------------------•
«التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» هذا تعريف من المصنف للتمائم، وقد سبق الحديث عنها.
وقوله: «شيءٌ يُعَلَّقُ» يشمل الخرز والوَدْع والورق وغيرها من الأشياء التي تعلق.
وقوله: «يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ» هذا الغالب في التمائم، وإلا فهي تعلق على الكبار من الرجال والنساء، وتعلق على الدواب، والبيوت، وغير ذلك.
وقوله: «يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» الغالب في التمائم أن يتقى بها العين، وتعلق أيضًا من أجل دفع المضار وجلب المنافع.
«لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ إلخ».
اختلف العلماء في حكم التمائم إذا كانت من القرآن، على رأيين:
الرأي الأول: جواز ذلك، وهو مروي عن بعض الصحابة: كعائشة (١)، وعبد الله بن عمرو (٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٢) رقم (٧٥٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٦)، وسيأتي في أدلة هذا الرأي.
(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ١٢) رقم (٣٨٩٣)، والترمذي (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨)، وسيأتي في الأدلة.
[ ١١٣ ]
ومروي عن بعض التابعين: كابن المسيب (١)، وابن سيرين (٢)، وعطاء (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي جعفر الباقر (٥).
وقال به بعض فقهاء الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، وأحمد في رواية (٩).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٣) رقم (٢٣٥٤٣) من طريق شعبة عن أبي عصمة، قال: سألت سعيد بن المسيب عن التعويذ، فقال: «لا بأس إذا كان في أديم». وسنده ضعيف؛ لأن أبا عصمة هو نوح بن أبي مريم، وهو متهم بالكذب.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٨)، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين: «أنه كان لا يرى بأسًا بالشيء من القرآن»، وإسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم المكي.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٥٠)، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، قال: «لا بأس أن يعلق القرآن». وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٥) عن ثُوَيْر بن أبي فاختة، قال: «كان مجاهد يكتب للناس التعويذ فيعلقه عليهم». وسنده ضعيف؛ لضعف ثُوَيْر بن أبي فاختة.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٦)، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه: «أنه كان لا يرى بأسًا أن يُكتب القرآن في أديم ثم يعلقه». وإسناده حسن.
(٦) ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ص (٦٢)، وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٦٣).
(٧) ينظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٣٩)، والذخيرة للقرافي (١٣/ ٣٢٧)، والقوانين الفقهية ص (٢٩٥).
(٨) المجموع شرح المهذب (٩/ ٦٦) تحفة المحتاج (١/ ١٤٩)، وِأسنى المطالب (١/ ٦١).
(٩) نقل ابن مفلح في الفروع (٣/ ٢٤٩) عن الميموني: قال: سمعت من سأل أبا عبد الله عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء؟ قال: «أرجو أن لا يكون به بأس». وقال ابنه عبد الله في مسائله ص (٤٤٧): «رأيت أبي يكتب التعاويذ للذي يقرع وللحمى لأهله وقراباته، ويكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام، أو شيء لطيف ويكتب حديث ابن عباس، إلا أنه كان يفعل ذلك عند وقوع البلاء، ولم أره يفعل هذا قبل وقوع البلاء». وقال أبو داود في مسائله ص (٣٤٩): «رأيت على ابن لأحمد، وهو صغير، تميمة في رقبته في أديم».
[ ١١٤ ]
وذهب إلى ذلك القرطبي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وابن حجر (٤)، وغيرهم.
واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:
١ - ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ»، وكان عبد الله بن عمر يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه (٥).
٢ - ما روي عن عائشة أنها قال: «التَّمَائِمُ مَا عُلِّقَ قَبْلَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وَمَا عُلِّقَ بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِتَمِيمَةٍ» (٦).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٢٠).
(٢) ذكر فصلًا في مجموع الفتاوى (١٩/ ٦٤) بأنه يجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئًا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى، وختم هذا الفصل بقوله: «قال علي: يكتب في كاغدة فيعلق على عضد المرأة، قال علي: وقد جربناه فلم نر شيئًا أعجب منه، فإذا وضعت تحله سريعًا ثم تجعله في خرقة أو تحرقه». ولم يعلق على ذلك كالمقر له.
(٣) حيث عقد فصلًا في الزاد (٤/ ٣٢٦)، ذكر فيه عددًا من الآثار والأقوال الدالة على جواز ذلك.
(٤) قال في فتح الباري (٦/ ١٤٢) بعد ذكره للأحاديث والآثار في النهي عن تعليق التمائم: «هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره».
(٥) أخرجه أبو داود (٤/ ١٢) رقم (٣٨٩٣)، والترمذي (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨)، وأحمد في مسنده (١١/ ٢٩٥) رقم (٦٦٩٦)، وقال الترمذي: «حسن غريب».
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٦)، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».
[ ١١٥ ]
الرأي الثاني: النهي عن ذلك، وهو مروي عن ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وحذيفة (٣)، وعقبة بن عامر (٤)، وعكيم (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، والحسن البصري (٧)، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه (٨).
واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٤) وسيأتي لفظه في أدلة المانعين.
(٢) أورده ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٨١) عن وكيع عن ابن عباس قال: «اتفل بالمعوذتين ولا تعلق».
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٥) من طريق أبي الحر، عن عقبة بن عامر، قال: «موضع التميمة من الإنسان والطفل شرك».
(٥) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٤٠٣) رقم (٢٠٧٢)، وأحمد في مسنده (٣١/ ٧٧) رقم (١٨٧٨١)، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني، أعوده وبه حمرة، فقلنا: ألا تعلق شيئا؟ قال: الموت أقرب من ذلك. قال النبي - ﷺ -: من تعلق شيئًا وكل إليه». وقد تقدم تخريج الحديث المرفوع.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٦) عن مغيرة بن مقسم الضبي، قال: «قلت لإبراهيم: أعلق في عضدي هذه الآية: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] من حمى كانت بي، فكره ذلك». وإسناده صحيح.
(٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص (٣٨٢)، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: «أنه كان يكره أن يغسل القرآن، ويسقاه المريض، أو يتعلق القرآن».
(٨) قال الكوسج في مسائله لأحمد (٩/ ٤٧١٢)، قلت: ما يكره من الرقى، وما يرخص منها؟ قال: «التعليق كله يكره».
[ ١١٦ ]
وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ.
•---------------------------------•
١ - عموم النهي الوارد في تحريم التمائم، ولا مخصص لهذا العموم.
٢ - سد الذريعة؛ فإن تعليق ما فيه قرآن يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
٣ - أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك (١).
وأجابوا عن أدلة الرأي الأول: بأن الرواية عن عبد الله بن عمرو ضعيفة، وعلى فرض صحتها، فإن ذلك يُعَدُّ اجتهادًا من عبد الله بن عمرو، وقد وُجد من خالفه من الصحابة.
وأثر عائشة أيضًا يعد اجتهادًا منها، ثم إن الاستدلال به ليس ظاهرًا.
والذي يظهر - والله أعلم - جواز تعليق التمائم من القرآن والأدعية المشروعة، إلا أن سبيل الاحتياط ترك ذلك، فهو أولى احتياطًا وسدًّا للذريعة.
«وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ» العزائم: جمع عزيمة، وهي قراءة الآيات على المريض رجاء بركتها والبُرْءِ بها (٢).
«وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ -» يدل على أن الأصل في الرقى المنع؛ لقوله: «رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ -»؛ لأن الترخص لا يكون إلا بعد المنع كما هو مقرر في علم الأصول، ومراد المصنف أن هناك مستثنيات من المنع، وهي الرقى الخالية من الشرك.
_________________
(١) ينظر هذه الأوجه الثلاثة في فتح المجيد ص (١٢٨).
(٢) ينظر: مجمل اللغة ص (٦٦٦)، ولسان العرب (١٢/ ٤٠٠).
[ ١١٧ ]
وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله؟: «يَا رُوَيْفِعُ،
•---------------------------------•
«مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ» «ظاهر كلام المؤلف: أن الدليل لم يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة)، لكن ورد بغيرهما؛ فقد كان النبي - ﷺ - ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده وهذا من الرقية، وليس عينا ولا حمة» (١).
«وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا» عرفها بذلك ابن مسعود - ﵁ - في إحدى الروايات كما مر معنا.
«وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ » عند أحمد وغيره (٢)، وإسناده ضعيف.
_________________
(١) القول المفيد (١/ ١٨٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٢١٠) رقم (١٧٠٠٠)، عن يحيى بن غيلان، وأبو داود في سننه (١/ ٩) رقم (٣٦)، ومن طريقه الخطابي في غريب الحديث (١/ ٤٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٨) رقم (٥٣٤)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٢٨) رقم (٢٦٨٠) عن يزيد بن خالد الهمداني، والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٨) رقم (٤٤٩١) من طريق سعيد بن أبي مريم، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢١٠) رقم (٢١٩٦) من طريق معلى بن منصور، والبزار في مسنده (٦/ ٣٠١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٦٧) رقم (٢٧٠٤)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٩١، ٥٩٢) من طريق عبد الأعلى بن حماد، خمستهم (يحيى بن غيلان، ويزيد بن خالد، وسعيد بن أبي مريم، ومعلى بن منصور، والأعلى بن حماد) عن المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس القتباني، عن شييم بن بيتان، عن شيبان القتباني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري مرفوعًا. وأخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٢٠٣) رقم (١٦٩٩٤)، و(٢٨/ ٢٠٤) رقم (١٦٩٩٥)، (٢٨/ ٢٠٦) رقم (١٦٩٩٦) من طريق ابن لهيعة،
[ ١١٨ ]
لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ».
•---------------------------------•
و«رُوَيْفِعُ»: هو ابن ثابت بن السكن، الأنصاري المدني صحابي، له ثمانية أحاديث، نزل مصر وولي بَرْقَة، وتوفي بها سنة (٥٦ هـ) (١).
«لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ» فيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه وقع كما أخبر، فإنَّ رويفعًا عاش بعد النبي - ﷺ - ستًّا وأربعين سنة.
«فَأَخْبِرِ النَّاسَ» فيه دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصًّا برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية.
«مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ» النهي عن عقد اللحية فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه نهى عن عقدها لكونه من زِيِّ الكفار، وعادة بعض الأعاجم، وكانوا يعقدونها في الحرب وغيرها.
_________________
(١) والنسائي في المجتبى (٨/ ١٣٥) رقم (٥٠٦٧)، والكبرى (٨/ ٣٢٣) رقم (٩٢٨٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٣) رقم (٧٥٢) من طريق حيوة بن شريح، كلاهما (ابن لهيعة، وحيوة) عن عياش بن عباس القتباني، عن شييم بن بيتان، عن رويفع، دون ذكر شيبان القتباني، إلا في أحد الروايات عن ابن لهيعة عند أحمد (٢٨/ ٢٠٣) رقم (١٦٩٩٤)، فجاء فيها زيادة أبي سالم، وشيبان بن أمية في الإسناد بين شييم ورويفع، مع اختصار في متن الحديث. وأخرج الحديث أيضًا ابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٢٤٦) رقم (٧٣٦) من طريق حنش الصنعاني، عن شييم بن بيتان، عن شيبان، عن رويفع بن ثابت. ومدار الحديث على شيبان بن أمية القتباني، وهو مجهول. وجوَّد إسناده بعضهم، فقال النووي في المجموع (١/ ٢٩٢)، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٥٢): إسناده جيد.
(٢) ينظر: الطبقات الكبرى (٤/ ٣٥٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ١٠٦٢)، ومعرفة الصحابة لابن منده ص (٦٤٢).
[ ١١٩ ]
والثاني: أن المراد النهي عن معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد؛ لأنه من زي أهل التَوضُّع والتأنيث (١).
والثالث: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول - ﷺ - بريء منه (٢).
«أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا» الوَتر: بالفتح: وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط (٣).
علة النهي عن تقليد الوتر
واختلفوا في علية النَّهي عن تقليد الوتر وغيره على عدة آراء (٤):
أحدها: أن النهي من أجل العوذ والتَّمائم المشتملة على رُقَى الجاهلية، كانوا يعلِّقونها في الرِّقاب، ويشدُّونها بالأوتار، ويرونها تدفع الآفات، فنهى عنها.
والثاني: نهى عنها بسبب الأجراس التي تعلَّق فيها، فهي مزامير الشيطان.
والثالث: نهى عن تعليق الأوتار في رقاب الخيل؛ لئلَّا تختنق بها عند شِدَّة الركض لانتفاخ أوداجها. ولعل الأقرب القول الأول.
«أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ» (الاستنجاء): لغة القطع، واصطلاحًا: قطع أثر الخارج من السبيلين بالماء أو الحجارة أو نحوهما.
ورجيع الدابة: هو الروث والعذرة، سميا رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان علفًا أو طعامًا (٥).
_________________
(١) ينظر هذان التأولان في: معالم السنن (١/ ٢٧)، وشرح سنن أبي داود للنووي ص (١٩٠).
(٢) القول المفيد (١/ ١٨٨).
(٣) ينظر: الصحاح (٢/ ٨٤٢)، ولسان العرب (٥/ ٢٧٨)، ومرقاة المفاتيح (٦/ ٢٥٠٧).
(٤) ينظر هذه الأقوال الثلاثة في معالم السنن (١/ ٢٧)، وغريب الحديث له (١/ ٤٢٣)، والفائق في غريب الحديث (٣/ ١٠)، وشرح سنن أبي داود للنووي ص (١٩١).
(٥) ينظر: حاشية السيوطي على سنن النسائي (٨/ ١٣٦).
[ ١٢٠ ]