ومناسبة الحديث للباب: قوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله»؛ واللعن لا يأتي إلا على كبيرة من الكبائر، وهذا مؤشر على خطورة الذبح لغير الله، وتدل الأدلة الأخرى على أنه شرك.
ما حكم اللعن على سبيل العموم؟
ظاهر هذا الحديث جواز لعن الفاسقين على العموم، وقد لعن الله الظالمين على العموم، فقال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وأيضًا في سورة هود ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وتقدم أن الرسول - ﷺ - لعن لعنًا عامًّا، كما في لعن الواشمة والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة، والواصلة والمستوصلة، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، واليهود والنصارى، ومن لعن والديه.
وما حكم لعن المعين الفاسق؟
الجواب: اختلف فيه العلماء على قولين:
القول الأول: يجوز، واختاره ابن الجوزي وغيره.
القول الثاني: لا يجوز، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الأكثر.
وقد جاءت جملة من الأحاديث في النهي عن اللعن، منها:
١. حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) رقم (٢٥٩٧).
[ ١٣٩ ]
وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟
•---------------------------------•
٢. حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
٣. حديث أبي هريرة قال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (٢).
٤. عن ثابت بن الضحاك عن النبي - ﷺ - قال: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (٣).
«وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ» الحديث رواه أحمد في الزهد وغيره (٤)، موقوفًا على سلمان، وليس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، كما ذكر المصنف، ولعله تبع ابن القيم في ذلك (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦) رقم (٢٥٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦) رقم (٢٥٩٩).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٠٤) رقم (١١٠).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٤٧٣) رقم (٣٣٠٣٨) من طريق مخارق بن خليفة، وأحمد في الزهد ص (١٧) رقم (٨٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٠٣)، والخطيب البغدادي في الكفاية ص (١٨٥) من طريق سليمان بن ميسرة، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٨٦٢) رقم (١٧٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٤٥٧) رقم (٦٩٦٢) من طريق الحارث بن شبيل، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٣) معلقًا من طريق قيس بن مسلم، أربعتهم (مخارق، وسليمان، والحارث، وقيس) عن طارق بن شهاب، عن سلمان الفارسي - ﵁ - موقوفًا عليه. وتحرف (سلمان) في المطبوع من الزهد لأحمد إلى (سليمان)، وتحرف أيضًا (الحارث ابن شبيل) في المطبوع من شعب الإيمان إلى (الحارث عن شبل). وأخرجه أبو نعيم في الحلية الموضع السابق معلقًا عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن المنهال بن عمرو، عن حيان بن مرثد، عن سلمان بنحوه.
(٥) حيث قال في الجواب الكافي ص (٣٥): «وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه، قال: دخل رجل الجنة في ذباب إلخ».
[ ١٤٠ ]
قَالَ: «مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ
•---------------------------------•
وقول المصنف في نهاية الحديث: (رواه أحمد) يوهم أنه في مسنده، وليس كذلك، بل هو في الزهد كما سبق.
والأثر صحيح موقوفًا، ولم يصح مرفوعًا (١)، ولكن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ذلك من الإسرائيليات (٢).
«دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ» أي: بسبب ذباب؛ لأن (في) هنا للسببية، ومثل ذلك قوله - ﷺ -: «دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» (٣)، أي: بسبب هرة.
«مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ» الصنم ما له شكل وصورة، ويطلق عليه الوثن أيضًا؛ لأن الوثن يطلق على ما له صورة وعلى غيره (٤).
_________________
(١) وفيه ثلاث علل: الأولى: أن طارق بن شهاب اتفقوا على أنه لم يسمع من النبي - ﷺ - واختلفوا في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي، لكن إذا قلنا: إنه صحابي، فلا يضر عدم سماعه من النبي - ﷺ -؛ لأن مرسل الصحابي حجة، وإن كان غير صحابي، فإنه مرسل غير صحابي، وهو من أقسام الضعيف. الثانية: أن الحديث معنعن من قبل الأعمش، وهو من المدلسين. الثالثة: أن الإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفًا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة، فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل. وهذا الأثر لا يوجد في دواوين السنة مرفوعًا.
(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٢٢٤)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة (١٢/ ٧٢٢).
(٣) أخرجه البخاري ٣/ ١٢٠٥ رقم (٣١٤٠) من حديث ابن عمر - ﵃ -.
(٤) ينظر: معجم الفروق اللغوية ص (٣٢٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٥١)، وتاج العروس (٣٦/ ٢٣٩).
[ ١٤١ ]
لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا، فَقَالُوا لأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قالَ: لَيْسَ عَنْدِي شيءٌ أُقَرِّبُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ.
•---------------------------------•
«لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا» أي: لا يمر أحدٌ بهذا الصنم ويتعداه إلا بعد أن يقدم له قربانًا، ومن لم يقرب له شيئًا ضربت عنقه.
«فَقَرَّبَ ذُبَابًا» أي: قتل ذبابًا - وهو الحشرة المعروفة - تقربًا للصنم.
«فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ» أي: تركوه وسبيله، ولم يتعرضوا له بشيء.
«فَدَخَلَ النَّارَ» أي: دخل النار بسبب الذباب الذي قرَّبه إلى الصنم، وهذا محل الشاهد من الحديث للباب؛ لأن قتل الذباب تقربًا للصنم بمنزلة الذبح له، وهذا المُقَرَّب بالرغم من أنه حقيرٌ كان سببًا لدخول النار؛ لأنه صُرِفَ لغير الله تعالى.
ومن هذا يستفاد أنَّ صرف أي شيء مهما كان حقيرًا لغير الله تعالى على وجه التقرب والعبادة فهو شرك موجب لفاعله النار.
قال سليمان آل الشيخ - ﵀ -: «في هذا بيان عظمة الشرك ولو في قليل، وأنه يوجب النار» (١).
وأما من فعل ذلك وهو لا يقصد التقرب به، وإنما فعله خوفًا من المُكْرِه، فلا يكفر؛ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٣٩، ١٤٠).
[ ١٤٢ ]