الجواب: أن لبس الحلقة ونحوها الأصل فيه أنه من الشرك الأصغر، ولكن قد يرتقي إلى الشرك الأكبر، فإن اعتقد لابسها أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، وإن اعتقد أنها مؤثرةٌ بنفسها دون الله، فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٩٥).
(٢) القول المفيد (١/ ١٦٤).
[ ٩٤ ]
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية.
•---------------------------------•
كيف ندرك أن السبب صحيح؟
الجواب: العلم بأن الشيء سبب صحيح، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وكقراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
وإما عن طريق القدر، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا (١).
«وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ﴾ الآية» أي: قل لهم: هل تستطيع هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله أن تُبْعِدَ عني أذًى قدَّره الله عليَّ، أو تزيلَ مكروهًا لَحِق بي؟ وهل تستطيع أن تمنع نفعا يسَّره الله لي، أو تحبس رحمة الله عني؟
و(ما) في قوله: ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ عامة؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي؛ فتشمل كل ما يدعى من دون الله.
واستعملت (ما) في الآية لبيان أنَّ آلهتهم لا تعقل؛ لأن (ما) في اللغة تستعمل لغير العاقل.
والضمير ﴿هُنَّ﴾ في قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ يؤكد أيضًا أنَّ آلهتهم لا تعقل شيئًا؛ لأن الضمير ﴿هُنَّ﴾ إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل، والأخير يتناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل.
_________________
(١) ينظر: القول المفيد (١/ ١١٧).
[ ٩٥ ]
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ، فَقَالَ: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» رواهُ أحمدُ بسندٍ لا بأسَ بِهِ.
•---------------------------------•
وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُر سوء الحال، ويشمل المرض والفقر والبلاء والشدة ونحوها.
«والشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ فليست أسبابا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري؛ فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله» (١).
«عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ » الحديث رواه أحمد، وابن ماجه وغيرهما (٢)، وإسناده مرفوعًا ضعيف، والصحيح وقفه.
_________________
(١) القول المفيد (١/ ١٦٨).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣٣/ ٢٠٤) رقم (٢٠٠٠٠) عن خلف بن الوليد، وابن ماجه في سننه (٢/ ١١٦٧) رقم (٣٥٣١) من طريق وكيع بن الجراح، والبزار في مسنده (٩/ ٣٢) رقم (٣٥٤٧) من طريق حبان بن هلال الباهلي، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٤٩) رقم (٦٠٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٧٢) رقم (٣٩١) من طريق أبي الوليد الطيالسي، والطبراني في المعجم الكبير أيضًا (١٨/ ١٧٢) رقم (٣٩١) من طريق حجاج بن المنهال، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠٥٥) عن سعيد بن سليمان الواسطي، سبعتهم (خلف، ووكيع، وحبان، وأبو الوليد، وحجاج، وعبد الرحمن، وسعيد) عن مبارك بن فضالة، عن الحسن البصري، عن عمران - ﵁ -. وليس في رواية ابن ماجه، والبزار، والحربي، قوله: «فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». وعند ابن حبان والطبراني: «وُكِلْتَ إِلَيْهَا» بدل: «مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». وأخرجه البزار في مسنده (٩/ ٣١) رقم (٣٥٤٥) من طريق يونس بن عُبيد، =
[ ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والروياني في مسنده (١/ ١٠٠) رقم (٧٢)، والدينوري في المجالسة (٥/ ٤٢) رقم (١٨٣٨)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٣) رقم (٦٠٨٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٥٩) رقم (٣٤٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٩)، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٨١، ١٨٢) رقم (٢٥٥) من طريق أبي عامر الخزاز، كلاهما (يونس، وأبو عامر) عن الحسن، عن عمران - ﵁ -، وفي رواية أبي عامر أنَّ عمران هو الذي كان لابسًا للحلقة، وعند البيهقي: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ» بدل: «فِي عَضُدِهِ حَلْقَةُ». وأخرجه عبد الرزاق في (جامع معمر) (١١/ ٢٠٩) رقم (٢٠٣٤٤) من طريق معمر، وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٠) من طريق يونس بن عُبيد، وابن أبي شيبة أيضًا في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦١)، وأبو بكر الخلال في السنة (٥/ ٦٤) رقم (١٦٢٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٧٩) رقم (٤١٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٦٠) رقم (١١٧٢) من طريق منصور بن زاذان، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢) رقم (٣٥٥) من طريق إسحاق بن الربيع العَطَّار، أربعتهم (معمر، ويونس، ومنصور، وإسحاق) يروونه عن عمران موقوفًا عليه. وخلاصة القول: أن المرفوع ضعيف لأربع علل: العلة الأول: عنعنة مبارك بن فضالة، فهو مدلس ولم يصرح بسماعه من الحسن، وقد تابعه أبو عامر الخزاز وهو كثير الخطأ، وتابعه أيضًا يونس بن عُبيد، ولكن قال البزار: «لا نعلم يروى من حديث يونس عن الحسن إلا من حديث محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوِيِّ». ومحمد بن عبد الرحمن هذا وصف بالوهم والتدليس. ينظر: تقريب التهذيب ص (٤٩٣)، وطبقات المدلسين ص (٤٣). العلة الثانية: الانقطاع، فالحسن لم يسمع من عمران كما نص على ذلك الأئمة، كابن المديني، وابن أبي حاتم، وغيرهما. ينظر: العلل لابن المديني ص (٥١)، والمراسيل لابن أبي حاتم ص (٣٨). العلة الثالثة: اضطراب متن الحديث، ففي رواية مبارك بن فضالة ويونس بن عُبيد: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ»، وفي رواية أبي عامر الخزاز: «أنَّ عِمْرَانَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وفِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ»، وفي بعضها: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ». العلة الرابعة: الاختلاف في رفعه ووقفه، حيث اختلف فيه على الحسن، فرواه بعضهم عنه، عن عمران مرفوعًا، ورواه البعض الآخر عن الحسن موقوفًا على عمران - ﵁ -. والذين رووه موقوفًا ثقات ومن كبار أصحاب الحسن، خلافًا لمن رواه مرفوعًا، وعليه تترجح رواية الوقف.
[ ٩٧ ]
«أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا» لم يذكر اسم الرجل في أكثر الروايات، ورواية الحاكم تبين أنَّ الذي كان لابسًا للحلقة هو عمران نفسه، حيث قال: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَفِي عَضُدِي حَلْقَةُ صُفْرٍ» (١).
وقوله في رواية حديث الباب: «فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ» وفي رواية عند البيهقي: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ» (٢).
والحلقة في اللغة: كل شيء استدار كحلقة الذهب والفضة، ويقال حلقة القوم دائرتهم (٣).
وكان المشركون يجعلون في أعضادهم حلقة من صفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبسها للبركة، أو لمنع بعض الأمراض.
«مِنْ صُفْرٍ» الصُّفر - بضم الصاد وسكون الفاء - النُّحَاس.
«فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟» يحتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها؛ لأنه قد يكون لابسًا لها زينةً، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهذا أقرب، وتؤيده رواية: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟» (٤).
_________________
(١) المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠٢).
(٢) السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٩).
(٣) ينظر: الصحاح (٤/ ١٤٦٢)، والمحكم لابن سيده (٣/ ٦).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٣٣/ ٢٠٤) رقم (٢٠٠٠٠).
[ ٩٨ ]
«مِنَ الوَاهِنَةِ» الوَاهِنَة: علة تصيب الذراع أو العضد فتضعف قوته وحركته (١).
«انْزِعْهَا» أي: أزلها، وأصل النزع في اللغة: الجذب والقلع (٢).
«فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنَّ هذه الحلقة التي تلبسها من أجل الواهنة فإنَّها لا تزيدك إلا ضعفًا.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «(لا تزيدك إلا وهنًا)، أي: وهنًا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنًا في الجسم، أما وهن النفس؛ فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها، ونسيت الاعتماد على الله عزوجل فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا; فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الموهوم حقيقة» (٣).
«فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبدًا. وبهذا استدل القائلون بأن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركًا أصغر، يُعذَّب به صاحبه، وإن كان لا يعذَّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلَّد في النار، لكن يعذَّب بها بقدره (٤).
_________________
(١) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٤).
(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٤١).
(٣) القول المفيد (١/ ١٦٩).
(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ١٣٩).
[ ٩٩ ]
وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ».
•---------------------------------•
حديث عقبة بن عامر عند أحمد وغيره (١)، وإسناده ليس بالقوي.
_________________
(١) أخرجه ابن وهب في جامعه ص (٧٤٨) رقم (٦٦٢)، ومن طريقه الروياني في مسنده (١/ ١٧٢) رقم (٢١٧)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٠) رقم (٦٠٨٦)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٣٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٨) رقم (١٩٦٠٥)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ص (٣٢١)، والدولابي في الكنى (٣/ ١٠١٧) رقم (١٧٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٦٢) من طريق وهب الله بن راشد، وأحمد في مسنده (٢٨/ ٦٢٣) رقم (١٧٤٠٤)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ص (٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٥) رقم (٧١٧٢) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٩٥) رقم (١٧٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٢٩٧) رقم (٨٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٨٩) من طريق أبي عاصم النبيل، أربعتهم (ابن وهب، وابن راشد، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو عاصم النبيل) عن حيوة بن شريح، عن خالد بن عبيد، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعًا. والحديث ليس بالقوي؛ لأنه من رواية مشرح بن هاعان، قال ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٥٢): «يخطئ وَيُخَالف»، وقال في المجروحين: «يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها». وأخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٦٣٦) رقم (١٧٤٢٢)، والحارث في مسنده (بغية الباحث) (٢/ ٦٠٠) رقم (٥٦٣)، ومن طريقه قاضي المارستان في مشيخته (٣/ ١١١٣) رقم (٥٢١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٣) رقم (٧٥١٣) من طريق دخين الحجري، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ١٤٦) رقم (٢٣٤) من طريق أبي سعيد المقبري، كلاهما (دخين، وأبو سعيد) عن عقبة بن عامر مرفوعًا. وتحرَّف في المطبوع من المستدرك (الدُّخين) إلى: الرجلين، ولفظ الحديث في رواية دخين: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ». وفي إسناده خالد بن عبيد المعافري، ترجم له ابن حجر في التعجيل (١/ ٤٩٤)، ولم يذكر في الرواة عنه سوى مشرح بن هاعان، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان. وقد تابعه ابن لهيعة كما في التخريج، وهو سيئ الحفظ.
[ ١٠٠ ]