قال ابن رجب وغيره: «إنه -أي: البصيري- لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول - ﷺ -». وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إنَّ المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.
وفي قوله: «وَرَسُولُهُ» بيان أنه مرسل من عند الله، فلا يُكذب، بل يصدق ويتَّبَع، وهو ردٌّ على الجافين الذين يكذِّبون برسالته - ﷺ -، ولا يصدقونه ولا يُطيعونه.
«وَأَنَّ عيسى عَبْدُ الله» فيه رد على النصارى الذين يعتقدون أن عيسى هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
قال الطيبي: «في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض» (١).
«وَرَسُولُهُ» فيه ردٌ على اليهود الذين كذبوه وأنكروا رسالته، ورموه بالبهت، فقالوا: إنه ولد بغي، قال القسطلاني: (ورسوله): تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه (٢).
«وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ» قال قتادة - ﵀ -: «هو قول الله تعالى: (كن)، فكان» (٣)، أي: أنَّ عيسى خُلق بكلمة من الله، وهي قوله: (كن)؛ لأن عيسى وُجد من غير أب، وإضافة الكلمة إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن الكلام - ومنه قوله: (كن) - صفة من صفات الله جلَّ وعلا.
_________________
(١) شرح المشكاة (١/ ٤٨٠).
(٢) إرشاد الساري (٥/ ٤١٠).
(٣) ينظر: جامع البيان (٩/ ٤١٩).
[ ٥١ ]
قال الإمام أحمد - ﵀ -: «الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كُن) فكان عيسى بـ (كُن) وليس عيسى هو (كُن)، ولكن بـ (كُن) كان» (١).
ومراد الإمام أحمد أنَّ عيسى ليس هو نفس الكلمة؛ وإنما سُمِّيَ بالكلمة لأنه خُلق بها، وعيسى مخلوق تجري عليه جميع الأحوال البشرية، وهو ذات بائنة عن الله تعالى، وأما كلمة (كن) التي خلق بها فهي من قول الله ﷿، وليست شيئًا مخلوقًا؛ لأن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه (٢).
«وَرُوحٌ مِنْهُ» (من) هنا ليست للتبعيض كما يقول النصارى حيث جعلوا عيسى ﵇ جزء من الله - تعالى الله عن ذلك - ولكنها لابتداء الغاية، والإضافة إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله.
والمعنى: صار جسده - ﵇ - بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله، أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم. وعيسى - ﵇ - ليس روحًا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فبالنفخ صار جسدًا، وبالروح صار جسدًا وروحًا (٣).
«وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ» أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق، أي ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة (٤).
_________________
(١) الرد على الجهمية ص (١٢٦).
(٢) ينظر: كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في ص (١٦)، والقول المفيد (١/ ٧٣).
(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٧٤).
(٤) فتح المجيد ص (٤٣).
[ ٥٢ ]
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ - ﵁ -: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
•---------------------------------•
«وَلَهُمَا» أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما (١).
«فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ» (عِتبان) - بكسر العين - هو ابن مالك الخزرجي صحابي ممن شهد بدرًا من الأنصار.
«فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله» أي من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه لا يريد بذلك إلا وجه الله، منع الله النار أن تأكل جسده. فالنطق بالشهادة يقتضي العمل بما تدل عليه، فلا يكفي مجرد النطق، وثم قيد مهم في هذا قد أشار إليه حديث الباب: أن يكون خالصًا صادقًا، كما قال: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
وهذا هو وجه مناسبة الحديث لترجمة الباب، حيث إن التوحيد سببٌ للنجاة من النار، وهذا من الفضائل العظيمة.
فلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن بشرط العمل بمقتضاها، لذلك قيل للحسن: «إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة» (٢).
ومثله ما قيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: «بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك» (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٩٢) رقم (٤٢٥)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥٥) رقم (٣٣).
(٢) ينظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٥٨)، وكلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ص (١٤).
(٣) ينظر: صحيح البخاري (٢/ ٧١).
[ ٥٣ ]