والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع» (١).
فإن قِيل: ماذا عن الشرك الأصغر هل يأخذ حكم الشرك الأكبر فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، أم أنه يأخذ حكم الكبائر ويكون تحت المشيئة، ويدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟
الجواب: أن هذه مسألة مختلف فيها، فقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - في بعض المواضع أنه «قد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن، وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلمًا، لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة» (٢).
ونقل عنه شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - في موضع آخر القول بغفران الشرك الأصغر، فقال: «شيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر» (٣).
_________________
(١) زاد المسير (١/ ٤١٨).
(٢) الرد على البكري ص (١٤٦).
(٣) القول المفيد (١/ ١١٤).
[ ٧٣ ]
وَقَالَ الخَلِيلُ - ﵇ -: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
•---------------------------------•
«وقال الخليل - ﵇ -: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾» الخليل هو إبراهيم - ﵇ -، وسمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليًلا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
ووجه مناسبة الآية للترجمة: أنه إذا كان إبراهيم - ﵇ - يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ ! وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك، لا كما يقول الجهال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ولهذا أَمِنُوا الشرك فوقعوا فيه.
ومعنى هذا الدعاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي: اجعلني وإياهم جانبًا بعيدًا عن عبادتها والإلمام بها (١).
وفي هذا إشارة إلى وجوب الخوف من الشرك، فمع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم - ﵇ - من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة (٢)؛ ولذا قال إبراهيم التيمي: «من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم» (٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي ص (٤٢٦).
(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٩٦).
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ١٧).
[ ٧٤ ]
وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد.
•---------------------------------•
حديث محمود بن لبيد عند أحمد، والبيهقي وغيرهما (١)، وهو مرسل.
_________________
(١) أخرجه إسماعيل بن جعفر في (حديث علي بن حجر عنه) ص (٤٤٧) رقم (٣٨٤)، وأحمد في المسند (٣٩/ ٤٠) رقم (٢٣٦٣١)، و(٣٩/ ٤٣) رقم (٢٣٦٣٦)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٢٣، ٣٢٤) رقم (٤١٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ١٥٤) رقم (٦٤١٢) من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٢٧) رقم (٨٤٠٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٦٧) رقم (٩٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٣) رقم (٣٥٨٥)، وشعب الإيمان (٤/ ٥٠٢) رقم (٢٨٧٢) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، كلاهما (عمرو بن أبي عمرو، وسعد بن إسحاق) عن عاصم بن عمر بن قتادة الظَّفَرِيِّ، عن محمود بن لبيد، مرفوعًا، ولفظه في رواية عمرو: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، إِنَّ اللهَ -يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً». ولفظه في رواية سعد بن إسحاق: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ». وهو مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يسمع من النبي - ﷺ -، فقد عدَّه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٧٧)، ومسلم كما في تهذيب التهذيب (١٠/ ٦٦) من التابعين، وقال المزي في تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠٩): «ولم تصح له رؤية ولا سماع من النبي - ﷺ -». وجاء في رواية عند أحمد في المسند (٣٩/ ٣٩) رقم (٢٣٦٣٠) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن محمود بن لبيد فسقط عاصم الظَّفَرِيُّ من إسناده. وأخرجه - بلفظ رواية سعد بن إسحاق - البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٣) رقم (٣٥٨٥) وجعله من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٥٣) رقم (٤٣٠١) وجعله من حديث محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج مرفوعًا.
[ ٧٥ ]