١ - علو القدر.
٢ - علو الذات.
٣ - علو القهر.
فهو ﴿الْعَلِيُّ﴾ بذاته، فوق جميع مخلوقاته، وقهره لهم، وعلو قدره، بما له من الصفات العظيمة، جليلة المقدار ﴿الْكَبِيرُ﴾ في ذاته وصفاته» (٣).
وفي الآية فائدة: وهي إثبات صفة القول لله تعالى.
وتدل الآية على أن الملائكة مع علو مقامهم يخافون من الله - ﷿ - ويخشونه ويتذللون له، فهذا يدل على أن الله وحده هو المنفرد بالعظمة والجبروت والكبرياء؛ فإذا كان ذلك كذلك فكيف يُقْدِم بعضُ المشركين على عبادة هؤلاء الملائكة الذين هم عبيدٌ لله، وما بالك بِمَن يعبدُ مَن هو دونهم مِن الأولياء والصالحين؟ ! (٤).
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٤/ ١٥).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٤/ ١٥).
(٣) تفسير السعدي ص (٦٧٩).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٠٨)، والتوضيح الرشيد ص (١١٩)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٤٨).
[ ١٧٦ ]
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَضى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضربَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ»: أي صحيح البخاري (١).
«كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ»: الصفوان هو الصخر الأملس (٢)، فإذا جُرَّت عليه سلاسل الحديد أزعجت القلوب بالرعب (٣).
«وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي - ﷺ - أن يُحْمَل شيء من كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله - ﷿ -» (٤).
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل المراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه بفزع من يسمع سلسلة على صفوان» (٥).
«يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: أي القول، والضمير في (ينفذهم) عائد على الملائكة، أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ١٢٢) رقم (٤٨٠٠) عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤١).
(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (٨/ ٥٣٨).
(٤) أعلام السنة المنشورة ص (٧٣، ٧٤).
(٥) القول المفيد (١/ ٣١٠).
[ ١٧٧ ]
فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، (وَصَفُهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِه)، فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ».
•---------------------------------•
«فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»: أي: يسمع مسترقو السمع، وهم الشياطين، الكلمة التي يقضيها الله - ﷿ -؛ بأن يركب بعضهم فوق بعض، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر الذي يقضيه الله (١).
«فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا» الشهاب مفرد شُهُب: وهو جرم سماوي يسبح في الفضاء، فإذا دخل في الغلاف الجوي اشتعل وصار رمادًا، وقد جعل الله هذه الشُّهُب رجومًا للشياطين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [المُلك: ٥]، فمن يسترق السمع من الشياطين، يرجمه الشهاب كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجر: ١٨].
و«مناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن فيه الرد على المشركين؛ فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله مع ما أعطاهم الله من القوة، عُلم أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لهم، فكيف بمن دونهم» (٢).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٢٢).
(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٣٨).
[ ١٧٨ ]
وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)، خَوْفًا مِنَ الله - ﷿ -، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهَلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لله سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمَهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَالَ الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْي إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ - ﷿ -». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
•---------------------------------•
حديث النواس رواه ابن أبي حاتم وغيره (١)، وفي إسناده ضعف.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ٢٢٦، ٢٢٧) رقم (٥١٥)، وابن أبي حاتم- كما في تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٦) -، من طريق محمد بن عوف، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٣٦) رقم (٢١٦) من طريق محمد بن يحيى، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٤٨، ٣٤٩)، والطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٩٧، ٣٩٨)، من طريق زكريا بن يحيى بن إياس المصري، وابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٩٧)، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٤٥٣) رقم (٨٨٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢) رقم (٤٣٥) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٩٢، ١٠٩٣) رقم (٦٦٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٢/ ٥٠٠، ٥٠١) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء (٥/ ١٥٢) من طريق يحيى بن عثمان، وبكر بن سهل. سبعتهم عن نعيم بن حماد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٢/ ٥٠١) من طريق عمرو بن مالك الراسبي، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان =
[ ١٧٩ ]
«إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ»: «(بالأمر) أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام» (١).
«أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)» «وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة؛ لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح» (٢).
و«هذا -والله أعلم- في جميع الأمور التي يقضيها الرب ﵎، كما يدل عليه عموم اللفظ» (٣).
وحديث النواس، وإن كان في إسناده ضعف، إلا أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، وأنه الله العظيم المستحق للتعظيم والعبادة، وأن مَنْ سواه مخلوق مربوب فقير إلى الله تعالى، فدل ذلك على إبطال كل عبادة لغير الله سبحانه، وأن كل من عبد من دون الله، فإنه لا يملك شيئًا ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٥].
_________________
(١) = والحديث ضعيف؛ لأن الوليد بن مسلم شديد التدليس وقد عنعن، ونعيم بن حماد يخطئ كثيرًا، ويتفرد بمناكير؛ ولعل هذا الحديث منها؛ ولهذا قال دحيم كما في تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص (٦٢١): «لا أصل له». وقال أبو حاتم: «ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم». ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٦).
(٢) إعانة المستفيد (١/ ٢٣٠).
(٣) القول المفيد (١/ ٣١٨).
(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٢٢٥).
[ ١٨٠ ]