نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لوياسور شبيط ميم ومحو فيق مبين زعلاو" .. تفسيره: لا يزول الملك من آل يهود، أو الراسم بين ظهرانيهم، إلى أن يأتي المسيح، فلا يقدرون على جحده.
فنقول لهم: أفما علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم انقضى ملككم، فإن لم يكن لكم اليوم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل.
وأيضا فإنا نقول: أليس منذ بعث المسيح، ﵇، استولت
ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم؟! ولا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان.
ويلزمهم، على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذى
كانوا ينتظرونه.
إلزامهم نبوته ونبوة المصطفى، ﵉.
نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
[ ٤٨ ]
فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحًا. كان قد عرف اسم الله الأعظم فسخر
به كثيرًا من الأشياء.
فيقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم أن موسى، ﵇، قد أطلعه الله على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفًا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات؟! .. فلا يقدرون على إنكار ذلك.
فنقول لهم: فإذا كان موسى أيضًا قد عمل المعجزات بأسماء الله تعالى
، فلمَ صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى؟!
فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحى،
ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس.
فنقول لهم: فإذا كان الأمرُ الذي يتوصلُ به إلى عمل المعجزات قد يصل إليه من لا يختصه الله به، ولا يزيد تعليمه إياه، فبأى شىء جاز تصديق موسى؟
فيقولون: لأنه أخذها عن ربه.
فنقول: وبأى شىء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟
فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا.
وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم "
بأن نقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟
فإن قالوا: بما عمله من المعجزات.
قلنا لهم: وهل فيكم من رأى هذه المعجزات؟
ليس هذا، لعمرى، طريقًا إلى تصديق النبوات، لأن هذا كان يلزم منه أن تكون معجزات الأنبياء، ﵈،
[ ٤٩ ]
باقيةً من بعدهم ليراها كل جيل وجيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك
بواجب " لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوتُهُ في ذلك العصر
بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصرٍ آخر،
ووجب عليهم تصديق نبوته واتباعه، لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها فى العقل.
وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله عليهم وسلامه، في هذا الأمر
متساوون، ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمدٍ (﵉)، لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما شهدا له بذلك، فتصديقهم بنبوة موسى فرع على تصديقهم بكتابتهم.
وأما معجزة القرآن فإنها، وإن كانت باقيةً، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج
إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطى ذوق الفصاحة، فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمانُ من شاهد المعجزة، لا من اعتمد على الخبر، إلا أن هذه درجة
لم يرشح لها كل أحدٍ.
فإن قالوا: إن نبينا تشهد له جميع الأمم، فالتواتر به أقوى، فكيف تقولون إنه أضعف؟!
قلنا: وكأن إجماع شهادات الأمم صحيح لديكم؟!
[ ٥٠ ]
فإن قالوا: نعم.
قلنا: فإن الأمم الذين قبلتم شهاداتهم مجمعون على تكفيركم وتضليلكم،
فيلزمكم ذلك، لأن شهادتهم عندكم مقبولة!
فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحدٍ .. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم، وهى أقل
الطوائف عددًا، فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع.
ويلزمهم مما تقدم - أن كل من أظهر معجزاتٍ شهد بها التواتر مصدقٌ فى
مقالته، ويلزمهم - مِن ذلك - التصديق بنبوة المسيح والمصطفى، ﵉.