قال الله، تعالى، في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطبًا لإبراهيم الخليل، ﵇: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد باركت فيه،
وأثمرِّه وأكثرِّه جدًا جدًا".
ذلك قوله: "وليشماعيل شمعتيخا هنى بير اختى أوتووهر بيثى أوتو بمأ دماد".
فهذه الكلمة "بماذماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل، كان اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد - ﷺ -، فإنه أيضًا اثنان وتسعون.
وإنما جُعل ذلك في هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به، لبدلته اليهود، أو
أسقطته من التوراة، كما عملوا في غير ذلك.
فإن قالوا: إنه قد يوجد في التوراة عدة كلمات، مما يكون عدد حساب حروفه مساويًا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد وبكر، فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد وبكر أنبياء.
[ ٥٤ ]
فالجواب: إن الأمر كما تقولون، لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات
التوراة، لكنا نحن نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها من سائر التوراة، وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد من الله لإبراهيم، بما يكون من شرف إسماعيل، وليس فى التوراة آية آخرى، مشتملة على شرفٍ لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر.
ثم إنا نبين أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوى "بمادماد" التي معناها "جدًا
جدًا"، وذلك أنها كلمة المبالغة من الله، سبحانه، فلا أسوة لها بشىءٍ من كلمات الآية المذكورة.
وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت
تلك الكلمة أعظم مبالغةً من باقى كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تضمن
الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفًا، وأعظمهم قدرًا، محمد - ﷺ -.
وإذ بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة، فقد بطل اعترافهم.