رأيت كأن في صحراء فيحاء مخضرَّة، يلوح من شرقيها شجرة عظيمة والناس
يهرعون إلى تلك الشجرة .. فسالت بعضهم عن حال الناس؟ .. فقال: إن تحت الشجرة شموائيل النبي جالسا، والناس يسلمون عليه، فسررت بما سمعته، وقصدت الشجرة، فوجدت في ظلها شيخًا جسيمًا بهيًا وقورًا، شديد بياض الشعر، عظيم الهيبة، بيده كتاب ينظر فيه، فسلمت عليه، وقلت بلسان عربي: السلام عليك يا نبي الله.
[ ١٠١ ]
فالتفت إلىَّ مبتِسمًا، وهش إلىَّ، وقال: وعليك السلام يا شريكنا في الاسم، اجلس لنعرض عليك أمرًا .. فجلست بين يديه فدفع إلىَّ الكتاب الذي بيده.
وقال: اقرأ ما تجده بين يديك، فوجدتُ بين يدى هذه الآية من التوراة: " نابى أقيم لاهيم مقارب أجيهيم كاموخا إيلا ويشماعون " ..
تفسيره: نبيًا أقيم لهم من وسط أخيهم مثلك فليؤمنوا ..
وهذه مناجاة من الله، ﷿، لموسى، وكنت أعرف اليهود يقولون أن هذه الآية نزلت في حق شموائيل النبي، لأنه كان مثل موسى، يعون أنه كان من سبط ليوى، وهو السبط الذي كان منه موسى، فلما وجدت بين يدى هذه الآية من التوراة قرأتها، وظننت أنه يذهب إلى الافتخار بأن الله، تعالى ذكره فى التوراة وبشَّر به موسى، ﵇، ..
فقلت: هنيئا لك يا نبي الله، ما خصك الله به من هذه المنزلة فنظر إلىَّ مغضبًا، وقال: أو إياي أراد الله بهذا يا ذكيًا ما أفادتك إذًا البراهين الهندسية.
فقلت: يا نبي الله، فمن أراد الله بهذا؟
قال: الذى أراد به في قوله: "هو قيع ميها فاران " ..
تفسيره: "إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران.
فلما قال لي ذلك، عرفت أنه يعني المصطفى - ﷺ -، لأنه المبعوث من جبال فاران، وهى جبال مكة، لأن التوراة ناطقة نصًا بأن "فاران " مسكن لأول إسماعيل، وذلك قول التوراة، وينسب "بمدنار فاران " يعنى ولد إبراهيم الخليل، ﵉.
ثم عاد والتفت إلىَّ، وقال: أما علمت أن الله لم يبعثنى بنسخ شيء من التوراة، وإنما بعثني لأذكرهم بها، وأحيي شرائعها وخاصهم من أهل فلسطين .. فقلت: بلى يا نبي الله .. قال: فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم، ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال أو أرميا أو بحزقيل؟.
[ ١٠٢ ]
فقلت: لا لعمرى لم يحتج إلى ذلك ..
ثم أخذ المصحف من يدي، وانصرف مغضبًا، فارتعدت لغضبه وازدجرت
لموعظته واستيقظت مذعورًا، فجلست، وكان وقت السحر والمصباح يقدنى غاية استنارته، فتذكرت المنام جميعه، فإذا أنا قد تخيلته لا يذهب علىَّ منه شىء، فعلمت أنَّ ذلك لطف من الله، سبحانه، وموعظة لإزالة الشبهة التي كانت تمنعني من إعلان كلمة الحق، والتظاهر بالإسلام.
فتبت إلى الله من ذلك واستغفرته، وأكثرت من الصلاة على رسول الله
المصطفى - ﷺ -، وأسبغت الوضوء، وصليت عدة ركعات لله، تعالى، وأنا شديد الفرح والسرور بما قد انكشف لي من الهداية.