ثم جلست متفكرًا فغلب علىَّ النوم عند تفكُّرى، ونمت فرأيت كأنى جالس فى سكةٍ عامرة لا أعرفها، إذْ أتانى آتٍ عليه ثياب المتصوفة وزي الفقراء، فلم يسلِّم علىَّ لكنه، قال: أجب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم. فهبته وقمت معه مسرورًا مستبشرًا بلقاء النبي - ﷺ -، فسار بين يدى وأنا من ورائه، حتى انتهى بي إلى باب دان فدخله واستدخلنى، فدخلت وراءه وسرت خلفه في دهليز طويل قليل الظلمة إلا أنه مظلم، فلما انتهيت إلى طرف الدهليز.
وعلمت أنه حان إشراقى على النبي - ﷺ -، هبت لقاءه هيبة شديدة، فأخذت فى الاستعداد للقائه وسلامه، وذكرت أنى قد قرأت في أخباره - ﷺ -، أنه كان إذا لقى فى جماعة قيل: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وإذا لقى وحده، قيل: السلام
عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته .. فعزمت على أنى أسلم عليه سلامًا عامًا لتدخل الجماعة في السلام، لأنى رأيت ذلك كأنه الأوْلى والأليق.
ثم أشرفت على صحن الدار، وكان مقابل الدهليز مجلس طويل، وعن يسرة
الداخل مجلس آخر، وليس من الدار غير هذين المجلسين، وفى كل واحد
[ ١٠٣ ]
من المجلسين رجلان لا أحقق الآن صور أولئك الرجال إلا أنى أظنُّ أكثرهم
كانوا شبانًا، لكنهم كانوا متأهبين للسفر، فمنهم من يلبس ثيابًا للسفر،
وأسلحتهم قريبة منهم.
ورأيت رسول الله - ﷺ -، قائمًا فيما بين المجلسين، أعني في الزاوية التي في ذلك - الركن من أركان الصحن، وكأنه قد كان في شغل وقد فرغ منه، وانقلب عنه يشرع فى غيره، ففجاته بالدخول عليه قبل شروعه في غيره.
وكان - ﷺ - لابسا ثياب بيض وعمامته معتدلة اللطافة، وعلى عنقه رداء أبيض حول عنقه، وهو معتدل القامة جسيم نبيل، معتدل اللون بين البياض والحمرة واليسير من السمرة، أسود الحاجبين والعينين، وشعر محاسنه يصف كأنه شعرة وشعرة، ومحاسنه أيضًا معتدل بين الطول والقصر.
ولما دخلت عليه ورأيته، التفت إلى ورائى، فأقبل علىَّ مبتسمًا وهش إلى جدًا، فذهلت - لهيبته - عما كنت قد عزمت عليه من السلام فسلمت عليه سلامًا خاصًا، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وألغيت الجماعة، فلم ألتفت ببصرى ولا بقلبى إلا إليه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
ولم يكن بين تسليمى عليه وبين سعيي إليه توقف، ولا زمان بل جريت إليه مسرعا وأمددت بيدى إلى يده، ومد يده الكريمة إلىَّ فأمسكتها بيدى.
وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وذلك أنه خطر بقلبى أن النجاة، منهم من زعم أن الأسماء الأعلام هى أعرف المعارف، ومنهم من يقول أن الأسماء المضمرة هى أعرف المعارف، وهو الصحيح، لأنَّ الكاف من قولي " أنك " لا يشارك المخاطب فيه أحد، لأنها لا تقع إلا عليه وحده.
فرأيته قد ملئ ابتهاجًا، ثم جلس في الزاوية التي بين المجلسين، وجلست بين
يديه، وقال: تأهب للمسير معنا إلى غمدان للقراءة. فلما قال ذلك، وقع في نفسي أنه يعنى المدينة العظمى التي هى كرسى ملك الصين، وأن الإسلام لم يستول عليها
[ ١٠٤ ]
بعد وكنت قد قرأت قبل ذلك أن الطريق الأقرب المسلوك إلى الصين في البحر الأخضر، وهو أشد البحار أهوالًا، وأعظمها أخطارًا.
فلما سمعت ذلك القول من النبي - ﷺ -، خفت من ركوب البحر ..
وقلت في نفسي إن الحكماء لا يركبون البحار، فكيف اركب البحر، .. ثم قلت فى نفسى أيضًا من غير توقف: يا سبحان الله أنا قد آمنت بهذا النبي محمد - ﷺ - وبايعته، أفيأمرنى بأمر، ولا أتابعه؟! .. فإذًا بالمبايعة نكون متابعين له، وعزمت على السمع والطاعة. ثم وقع - لي خاطر آخر.
وقلت إذا كان معنا رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فإن البر والبحر يكونان مسخرين لنا، ولا خوف علينا من سائر الأخطار، وطاب قلبى بذلك، وحسن يقينى وقبولى، وأنا أذكر أن هذه الأفكار والخواطر خطرت لي، وأنا بين يدى رسول الله - ﷺ - في غير توقف، أعني من غير توقف، يستبطئ به إجابته، فما كان بأسرع
من أن قلت له: سمعًا وطاعة يا رسول الله .. فقال: على خيرة الله تعالى ..
فقمت بين يديه وخرجت، فما وجدت في الدهليز من الظلمة التي كانت فيه عند الدخول، فلما خرجت من الدار، ومشيت قليلًا وجدت كأنى في سوق مراغة فيما بين الصيارف وبين المدرسة القصويَّة، وكأنى أرى ثلاثة نفر عليهم زي المتصوفة، وثياب الزهاد، ومنهم من على بدنه صدرة صوف خشن أسود، وعلى رأسه مئزر من جنسها، وبيده قوس ملفوفة في لباد خلق، وبيده الأخرى حربة نصابها من سعف النخل، والآخر متقلد سيفًا غمده من خوص النخل، لأنه كان قد انطبع فى خيالى منذ كنت صغيرًا حين قرأت أخبار ظهور دولة الإسلام كيف أن أصحاب النبى - ﷺ - ضعفاء وفقراء، وليس لهم من الآلات إلا شبيهًا بما ذكرنا، وأنهم كانوا
مع ذلك ينتصرون على الجيوش الكثيفة والخيول الربدة، ذوى الشوكة القوية.
فلما رأيت النفر الثلاثة .. قلت: هؤلاء المجاهدون والغزاة، وهؤلاء أصحاب
النبى - ﷺ - مع هؤلاء أسافرُ وأغزو، وكانت الدمعة تبدر من عينى لنى النوم، لفرط سرورى بهم وغبطتي إياهم.
[ ١٠٥ ]
ثم استيقظت والصبح لم يسفر بعد، فأسبغت الوضوء وصليت الفجر، وأنا
شديد الحرص على إشهار كلمة الإخلاص وإعلان الانتقال إلى دين الإسلام،
وكنت حينئذ بمراغة من أذربيجان في ضيافة الصاحب الأمجد فخر الدين عبد
العزيز محمد بن محمود بن سعد بن على بن حميد المصرى، رحمة الله عليه، وكان قد أبلى من مرض قد عافاه الله منه فتقدمت، فدخلت إليه في أوائل نهار الجمعة المذكور يومئذ، وعرَّفته أن الله قد رفع الحجاب عنى، وقد هداني، فما أعظم استبشاره يومئذ بذلك، وقال: والله إن هذا الأمر ما زلت أتمناه وأترجاه، وطالما قد حاورت قاضي القضاة صدر الدين في ذلك، وكنا جميعًا نتأسف على علومك وفضائلك، بأن لا تكون إسلامية، فالحمد لله على ما ألهمك له من صلاح وهداية، وعلى استجابة دعائنا في ذلك .. فقل لي كيف فتح الله ذلك عليك، وسهله بعد إرتاجه وامتناعه؟ .. فقلت: ذلك أمر أوقعه الله تعالى في نفسى بالإلهام والفكر، ودليله العقلى وببرهانه قد، كنت قديمًا أعرفه، ودليلهُ من التوراة، إلا أنى كنت
أراقب أبي وأكره أن أقبحه بنفسى قديما من الله، تعالى، الآن فقد زالت عنى هذه الشبهة، مد يدك أن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فقاْم الصاحب لفرط سروره قائمًا واهتز فرحًا، وكان قبل ذلك لا يقوم إلا
بالتكلف، وغاب عنى، واستجلسنى إلى عودته، وأفاض من الملابس أجلها،
وحملنى من المراكب أنبلها، وأمر خواصه بالسعى إلى الجامع بين يدى، وكان
الصاحب قد تقدم إلى الخطيب بالتأخير والتوقف إلى وقت حضورى للمسجد، لأن الوقت ضاق إلى أن فرغ الخياطون من خياطة الجبة، التي أمر الصاحب بتفصيلها، فسرت إلى الجامع، والجماعة في انتظارى، وارتفع التكبير من جماعة أهل المسمجد حين أشرفت عليهم، وارتج المسجد الجامع من صلاتهم على رسول الله - ﷺ -، ثم رقى الخطيب المنبر، ومن بعد صلاة الجمعة وعظ الناس القاضى صدر الدين وملك الوعاظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، وأطنب في مدحى وإحماد ما الدنى الله به من التيقظ والهداية، وبالغ في ذلك مبالغة تجاوز حد الوصف، وكان أكثر المجلس متعلقًا بي.
[ ١٠٦ ]
وفى عشية ذلك اليوم، أعني عشية ليلة عيد النحر، ابتدأت بتحرير الحجج
المفحمة لليهود، وألفتها في كتاب قيام السموأل بتأليف إفحام اليهود ثم غاية
القصود وسميته "بإفحام اليهود". واشتهر ذلك الكتاب، وطار خبره وانتسخ فى عدة بقاع نسخًا كثيرة - بالموصل وأعمالها، وديار بكر العراق وبلاد العجم، ثم أضفت إليه بعد وقت فصولًا كثيرة من الاحتجاج على اليهود من التوراة، حتى صار كتابًا بديعًا، لم يعمل في الإسلام مثله في مناظرة اليهود ألبتة.
وأما المنام الأول والثانى، فإنى لم أذكرهما للصاحب، ولا لغيره من أهل مراغة
إلى انقضاء أربع سنين منذ أوان رؤيتهما، وكان ذلك منى لسببين، أحدهما أنى كرهت أن أذكر أمرًا لا يقوم عليه البرهان، وبما يسوغ خاطر من يسمعه إلى تكذيبه، لأنه أمر نادر قليل ما يتفق إذ كان العاقل يكره أن يعرض كلامه - للتكذيب سرًا وعلانية.
والثانى: إنى كرهت أن يصل خبر المنامين إلى من يحسدنى في البلاد، على ما
فضلنى الله به من العلم والحرمة، فيجعل ذلك طريقًا على التشنيع علىّ والإزراء على مذهبى، فيقول: إن فلان ترك دينه لمنام رآه، وانخدع لأضغاث أحلام!
فأخفيت ذلك إلى أن اشتهر كتاب "إفحام اليهود" وكثرت نسخه، وقرأه علىَّ جماعة كثيرة من الناس، أعني أن الانتقال عن مذهب اليهود إنما كان بدليل وبرهان وحجج قطعية عرفتها، وإن كنت أخفى ذلك ولا أبوح به مدة، مراقبة لأبى، وبرأيه حينئذ أظهرت قصة المنامين، وأوضحت أنهما كانا موعظة من الله تعالى، وتنبيهًا على ما يجب علىَّ تقديمه، ولا يحل لي تأخيره بسبب والدى وغيره.
وكتبت كتابًا إلى أبى إلى حلب، وأنا يومئذ بحصن كيفا، وأوضحت له في ذلك الكتاب عدة حجج وبراهين، مما أعلم أنه لا ينكره ولا يقدر على إبطاله، وأخبرته أيضا بخبر المنامين، فانحدر إلى الموصل ليلقاني، وفاجأه مرض حاد بالموصل، فهلك فيه.
[ ١٠٧ ]
فليعلم الآن من يقرأ هذه الأوراق أن المنام لم يكن باعثًا على ترك المذهب
الأول، فإن العاقل لا يجوز أن ينخدع عن أحواله بالمنامات والأعلام من غير برهان ولا دليل، لكنى كنت قد عرفت قبل ذلك بزمان طويل الحجج والبراهين والأدلة على نبوة سيدنا محمد - ﷺ - فتلك الحجج والبراهين هى سبب الانتقال والهداية، وأما المنام فإنما كانت فائدته الانتباه والازدجار من التمادي في الغفلة والتربص، بإعلان كلمة الحق ارتقاء بالموت، فالحمد لله على الإسلام، وكلمة الحق، ونور الإيمان
وزلفى الهداية، وأساله الإرشاد لما يرضيه بمحمد وآله.
تم بيان سبب إسلام السموأل، والحمد لله رب العالمين
حسبنا الله ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
[ ١٠٨ ]