علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد من
علمائهم وأحبارهم أنها المنزلة على موسى ألبتة، لأن موسى صان التوراة عن بنى إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته من أولاد ليوى.
ودليل ذلك قول التوراة: " وتختوب موشا أث هتورا هزوت وتيناه الط هكوهنيم بنى ليوى ".
[ ٦٤ ]
تفسيره: " وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بنى ليوى". وكان بنو هارون قضاة" اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبنى إسرائيل إلا نصف سورة، ويقال لها: " ها ازينو" فإن هذه السورة من التوراة هى التي علمها موسى بنى إسرائيل، ذلك قوله: "وتختوب موشا أث هتيرا هروث وتلمذاه لبنى يسرائيل ".
"تفسيره " وكتب موسى هذه السورة وعلمها بنى إسرائيل ".
وأيضًا فإن الله تعالى قال لموسى عن هذه السورة (وها يتالى هشيرا هزوث لعيد بنى اسرائيل وتفسيره: وتكون لي هذه السورة).
"كى لو تشا خاخ مفى زرعو".
تفسيره: " لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم ".
يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد.
قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم، كالشاهد عليهم، والموافق لهم على صحة ما قيل لهم، فهذه السورة لما قال الله عنها: " إنها لا تنسى من أفواه أولادهم " دل على ذلك على أن (الله علم) أن غيرها من السور ينسى.
وأيضًا فإن هذا دليل على أن موسى لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا
هذه السورة، فأما بقية التوراة فدفعها إلى هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم.
وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها
قتلهم بخت نصر على دم واحدٍ، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة، فرضًا بل سنة، بل كان كل واحدٍ من الهارونين يحفظ فصلًا من التوراة.
فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه
[ ٦٥ ]
التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة.
وزعموا أن التوراتي الآن يظهرُ على قبره الذي عنده بطاح العراق، لأنه عمل لهم كتابًا يحفظ دينهم.
فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، وليست كتاب الله،
وهذا يدل على أنه - أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجل فارغ جاهل بالصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله، تعالى، صفات التجسيم، والندامة على ماضى أفعاله والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما تقدم ذكره. وأيضًا فمما يستدل به على بطلان تأويلاتهم، وإفراطهم في التعصب، وتشديد الإصر، ما ذكروه في تفسيره هذه الآية:
" ريشيث بلورى إذ ما تأبى بيت أذوناى ألوهيما لوت تسيل كذى باحابيب أمو".
تفسيره: " بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، لا تنضج الجدى بلبن أمه ".
والمراد من ذلك: أنهم أمروا عقب افتراض الحجج عليهم، أن يستصحبوا
معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ لأنه قد كان فرضًا عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها سبعة أيام، ومن اليوم الثامن فصاعدًا يصلح أن يكون قربانًا لله،
فأشار في هذه الآية في قوله: " لا تنضج الجدى بلبن أمه ". إلى أنهم لا يبالغون فى
[ ٦٦ ]
إطالة مكث بكور أولاد الغنم والبقر وراء أمهاتهن، بل يستصحبون أبكارهن
اللاتي قد عبرن سبعة أيامٍ من ميلادهن معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس
ليتخذوا منها القرابين فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية، والمفسرون
لمعانيها، أن المشرع يريد بالإنضاج هذا إنضاج الطبيخ في القدر.
وهبهم صادقين في هذا التفسير، فلا يلزم من تحريم الطبيخ، تحريم الأكل،
إذ لو أراد الشرع الأكل لما منعه مانع عن التصريح بذلك. وما كفاهم هذا الغلط فى تفسير هذه اللفظة، حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن، وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين والنقلة، وكذبهم على الله وتشديد الإصر على طائفتهم.
فأما الدليل على تفسير "تبسيل " الانضاج الذي هو البلوغ فهو قول
رئيس السقاة ليوسف الصديق، وهما في السجن، إذ شرح له رؤياه، فقال
فى جملة كلامه، "وبكيفن شكوشا سارنعيم وهى حضور راحت عالقا نصاه
هيشيلوا شكلوثنا غباييم ".
تفسيره: " وفى الكرمة ثلاثة عناقيد، وهى كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ونضجت عناقيدها عنبًا. فقد تبين أن الإنضاج
[ ٦٧ ]
الذي يعبر عنه: " يالهيشيلوا" إنما هو البلوغ. ولا ينبغى للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونٍ من الكفر والضلال، فإن الدولة إذا انفرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذَّر الوقوف عليها، لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمةٍ، بتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد " وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفنون متتابعة عليها إلى أن يستحيل علومها جهلًا، وكثرتها قلة، وكلما كانت الأمم أقدم، واختلف عليها الدول المتتابعة لها بالإذلال والإيذاء، كان حظها من اندراس الآثار أكثر.
وهذه الطائفة ولا شك أعظم الطوائف حظًا مما ذكرناه، لأنها من أقدم الأمم
عهدًا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها من الكلدانيين البابليين والفرس واليونان والنصارى والإسلام.
وما من هذه الأمم إلا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم، وبالغ
فى إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم، إلا المسلمين، فإن الإسلام
صادف اليهود تحت ذمة الفرس ولم يتبق لهم مدينة ولا جيش، إلا العرب
المشهورة بخيابر.
وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك، ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل أجأب وأحرنا وأمصيا ويهودام ويربعام بن نباط، وغيرهم من الملوك الإسرائيليين
[ ٦٨ ]
الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام،
وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام، لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع العظيمة والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بنى إسرائيل،
وتركوا أحكام التوراة والشرع مددًا طويلة، وأعصارًا متصلة.
فإذا كان هذا تواتر الآفات على شرعهم من قبل ملوكهم، ومنهم على
أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما
بعد عليهم، وقتل أئمتهم، وإحراق كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام
بشرائعهم!.
فإن الفرس كثيرًا ما منعوهم عن الختانة، وكثيرًا ما منعوهم عن الصلاة،
لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم
بالخراب، سوى بلادهم التي هى أرض كنعان!
فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية مزجوا بها فصولًا من صلاتهم، وسموها الحزانة وصاغوا لها ألحانًا عديدة،
وصاروا يجتمعون أوقت صلواتهم على تلحينها وتلاوتها.
والفرق بين هذه الحزانة، وبين الصلاة بغير لحنٍ أن المصلى يتلو الصلاة
وحده، ولا يجهر معه غيره.
أما الحزانُ فيشاركه جماعة في الجهر بالحزانة، ويعاونونه في الألحان، فكانت الفرسُ إذا أنكرت ذلك منهم، زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانًا، وينوحون على أنفسهم أحيانًا فتركوهم وذاك.
[ ٦٩ ]
ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على أديانها،
وصارت الصلاة مباحةً لهم، صارت الحزانة عند اليهود من السنن المستحبة فى الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضًا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها، من غير ضرر يبعثهم على ذلك.