تشديد الإصر على أنفسهم له سببان:
أحدهما: من جانب ففقهائهم، وهم الذين يدعون الخحاميم.
[ ٧٨ ]
وتفسير هذه اللفظة " الحكماء"، وكانت اليهود في قديم الزمان تسمى
فقهاءها بالحكماء، وكانت لهم في الشام والمدائن مدارس، وكان لهم ألوف من الفقهاء، وذاك في زمان دولة النبط البابليين، ودولة اليونان، ودولة
الروم حتى اجتمع الكتابان اللذان اجتمع فقهاؤهم على تأليفهما، وهما
"المشنا والتلمود".
- فأما المشنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمان مائة ورقةٍ.
- وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نصف حمل بعير، لكثرته،
ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه في عصرٍ واحدٍ، وإنما ألفوه في جيلٍ بعد جيل، فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مرَّ عليه قوم زادوا فيه، وأن في هذه الزيادات المتأخرة مما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك، ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر والتناقض الفاحش، فطفقوا الزيادة فيه. ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شىءٍ آخر إليه، وحرموا من يضيف إليه شيئًا آخر، فوقف على ذلك المقدار.
وكانوا أئمتهم قد حرَّموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب، أعني من
كان على غير ملتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبيحةِ من لم
يكن على دينهم، لأنهم - أعني علماءهم وأئمتهم - علموا أن دينهم لا يبقى عليهم
[ ٧٩ ]
فى هذه الحالة، مع كونهم تحت الذل والعبودية إلى أن صدوهم عن مخالطة من
كان على غير ملتهم، وحرموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يمكنهم المبالغة في ذلك إلا لحجةٍ يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله، لأن التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم، لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله تعالى.
وحرم عليهم فيالتوراة أكل ذبائح الأمم الذين يذبحونها قربانًا إلى الأصنام؛
لأنه قد سمى عليه غير اسم الله، فأما الذبائح التي لم تذبح قربانا، فلم تنطق
التوراة بتحريمها، وإنما نطقت التوراة بإباحتهم تناول المأكل من يدى غيرهم من الأمم، في قول الله، تعالى، لموسى حين اجتازوا على أرض بنى العيص: لو تشكاروبام كى لوائين لخاميارصام عاذ مذراح كف راعل ".
تفسيره: لا تنحروا شواتهم، فإنى لا أعطيك من أرضهم ولا مسلك قدم
"أوحل مايم نحروا مياتام بكيف واخليتم وعمرمايم تحروا مياتام بكيف
وشيم ".
تفسيره: مأكولًا تمتازون منهم بفضةٍ، وتأكلون. أيضًا ما تشترون منهم
بفضةٍ وتشربون.
فقد تبين من نصِّ التوراة أن المأكول مباح لليهود تناوله من يد غيرهم
من الأمم وأكله، وهم يعلمون أن بنى العيص عابدوا أصنام، وأصحاب كفرٍ.
[ ٨٠ ]
فلا يكون المسلمون على كل حال دون هذه المنزلة، أعني أن يساوى بينهم
وبين بنى العيص، فينبغى لهم أن يأكلوا من مأكولات المسلمين، وأن يجعلوا
للمسلمين تفضيلًا، بتوحيدهم وإيمانهم وكونهم لا يعبدون الأصنام.
فموسى، ﵇، إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام، وأكل ما يذبحونه بأسمائها، ولسنا نعرف أحدًا من المسلمين يذبح ذبيحة باسم صنم ولا وثن! .. فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين، بل ما بال من سكن بالشام، وبلاد العجم منهم، لا يأكلون من أيدى المسلمين اللبن والجبن والحلوى والخبز، وغير ذلك من المأكولات!.
فإن قالوا: لأن التوراة حرمت علينا أكل الطريفا.
قلنا إن: الطريفا هى الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيره من
السباع، ودليل ذلك قوله في التوراة: " ويا سار بساذى طريفا لو ثوخيلوا كيلب تسليخوا اوثو".
تفسيره: " ولحمًا في الصحراء فريسة لا تأكلوا للكلب ألقوه ".
فلما نظر أئمتهم أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد
الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خوف
استدراجهم بالمخالطة إلى مناكحتهم، وأن مناكحتهم إنما تكره خوف استتباعها الانتقال إلى أديانهم، وعبادة أوثانهم، ووجدوا جميع هذا واضحًا في التوراة
[ ٨١ ]
اختلقوا كتابًا سموه: " هلكت شحيطا" ومعناه "علم الذباحة"، ووضعوا في هذا الكتاب من تشديد الإصر عليهم، ما شغلوهم به عمَّا هم فيه من الذل والمشقَّةِ، وذلك أنهم أمروهم بأن ينفخوا الرئة، حتى تمتلئ هواءً، ويتأملونها هل يخرج الهواء من ثقب منها أم لا؟ .. فإن خرج منها الهواء حرموه، وإن كانت بعض أطراف الرئة لاصقة ببعضٍ لم يأكلوها!
وأيضًا: فإنهم أمروا الذي يتفقد الذبيحة أن يدخل يده في بطن الذبيحة، ويتأمل بأصابعهِ، فإن وجد القلب ملتصقًا إلى الظهر أو أحد الجانبين، ولو كان الالتصاق بعرق رقيق كالشعرة، حرموه وسموه طريفا! ويعنون بذلك أنه نجس أكله، وهذه التسمية هى أول التعدي منهم، لأنه ليس موضوعها في اللغة إلا المفترس الذي يفترسه بعض الوحوش ودليل ذلك قول يعقوب لما جاءوه بقميص يوسف ملوثًا بالدم: " وبكيراه ويومر لثويث بنى حيارعا اخالا لهو طاروف طوارف يوسف ".
تفسير: فتأملها، وقال: " ذراعه ابنى، وحش ردىء أكله افتراسًا
افترس يوسف ".
فقد تبين أن تفسير طاروف طوارف يوسف " افتراسًا افترس يوسف،
فالطريفا هى الفريسة.
ودليل آخر، وهو أنه قال: " ولحمًا في الصحراء فريسة لا تأكلوا". والفريسة أبدًا إنما توجد في الصحراء.
وليس ينبغى أن تعجب من ذلك، فإن هذا النهى عن أكل الفريسة، إنما نزل على قوم ذوى أخبية يسكنون البر، وذلك أنهم مكثوا يترددون في التيه والبرارى تمام
[ ٨٢ ]
أربعين سنة، وكان أكثر هذه المدة لا يجدون طعامًا إلا المنَّ، فلما اشتد قرمهم إلى اللحم، جاءهم موسى بالسلوى وهو طائر صغير يشبه السماني، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية ويذهب الحزن والقساوة، وذلك أن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد. كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله ﷿، أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد، إلى انفصال أوان المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، وينتشر في الأرض، فجلب الله إليهم هذا الطائر لينتفعوا بما في أكل لحمه من الخاصية، وهى تليين القلوب القاسية، وكان قد اشتد قرمُهم إلى اللحم قبل ذلك، بحيث لم يمنعهم من أكل الفريسة والميتةِ، إلا نزول تحريمها في التوراة.
فقد تبين التعدي من مشايخهم فى تفسير "الطريفا"، وأنه " الفريسة".
فأما فقهاؤهم فقد اختلقوا من أنفسهم هذياناتٍ وخرافاتٍ، تتعلق بالرئة
والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من هذه الشروط، فهو "دخيا "، وتفسير هذه الكلمة " طاهر " .. وما كان خارجًا عن هذه الشروط فهو "طريفا".
وفسروا هذه الكلمة "حرام ".
وقالوا: معنى قول التوراة "ولحمًا فريسة في الصحراء، لا تأكلوا، للكلب
ألقوه ".
يعنى إذا ذبحتم ذبيحة، ولم تجدوا فيها هذه الشروط، فلا تأكلوها، بل
بيعوها على من ليس من أهل ملتكم!
[ ٨٣ ]
وذلك أنهم فسروا قوله: " للكلب ألقوه " أى لمن ليس على ملتكم أطعموه
وبيعوه! .. إلا أنهم على الحقيقة أشبهُ بالكلاب، وأحقُ بهذا اللقب والتشبيه، لقبح عقولهم، وسوء ظنونهم واعتقادهم في سواهم من الأمم.
ثم إن اليهود فرقتان، أحدهما عَرفت أن أولئك السلف الذين ألفوا "المشنا"
و"التلمود"، وهم فقهاء اليهود، كذابون على الله وعلى موسى النبي، أصحاب حماقاتٍ ورقاعاتٍ هائلة.
من ذلك: أن أكثر مسائل فقههم ومذهبهم يختلفون فيها، ويزعمون أن
الفقهاء كانوا إذا اختلفوا في كل واحدةٍ من هذه المسائل، يوحى اللهُ إليهم بصوتٍ يسمعه جمهورُهم، يقول: الحقُ في هذه المسألة مع الفقيه فلان! ..
وهم يسمون هذا الصوت "بث قول".
فلما نظر اليهود القراءون، وهم أصحاب "عالمون " و" بنيامين " إلى هذه
المجالات الشنيعة، وإلى هذا الافتراءِ الفاحش، والكذب البارد انفصلوا
بأنفسهم عن الفقهاء، وعن كل من يقول بمقالتهم، وكذبوهم في كل ما افتروا به على الله.
وقالوا - بعد أن ثبت كذبهم على الله - وأنهم قد ادعوا النبوة، وزعموا أن الله كان يوحى إلى جميعهم في كل يوم مراتٍ، فقد فسقوا، ولا يجوز قبولُ شىءٍ منهم، فخالفوهم في سائر ما أصلوه، من الأمور التي لم ينطق بها نصُّ التوراة، وأكلوا اللحم باللبن، ولم يحرموا سوى لحم الجدي بلبن أمهِ، فقط مراعاة للنص، أعني قول التوراة:
[ ٨٤ ]
"لا تنضج الجدي بلبن أمه " ..
وأما الترهات التي أنها الحاخاميم الفهقاء، وسموها "هلكت شحيطا"،
أعني: "علم الذباحة"، وهى المسائل الفقهية التي رتبها الفقهاء، ونسبوها إلى الله عن موسى، ﵇، فإن القرائين اطرحوها مع غيرها وألغوها، وصاروا لا يحرمون شيئًا من الذبائح التي يتولون ذباحتها ألبتة.
فهذا حال هذه الطائفة من اليهود، أعني القرائين.
ولهم أيضا فقهاء أصحاب تصانيف، إلا أنهم لم يبالغوا في الكذب على الله، إلى حد أن يدعوا النبوة، ولا نسبوا شيئًا من تفاسيرهم إلى النبي، ولا إلى الله، بل إلى اجتهادهم.
٢ - والفرقة الثانية يقال لهم: الربانيون: وهم أكثر عددًا، وهم شيعة
الحاخاميم الفقهاء، المفترين على الله، الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسألة بالصوت الذي سموه "بث قولِ ".
وهذه الطائفة أشدُّ اليهود عداوة لغيرهم من الأمم، لأنَّ أولئك الفقهاء المفترين على الله قد أوهموهم أن المأكولات والمشروبات إنما يحل للناس بأن
يستعلموا فيها هذا العلم، الذي نسبوه إلى موسى، وإلى الله، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم إنما شرفهم الله بهذا وأمثاله من الترهات التي أفسدوا بها
[ ٨٥ ]
عقولهم، فصار أحدهم ينظر إلى من ليس على ملته، كما ينظر إلى بعض
الحيوانات التي لا عقل لها، وينظر إلى المآكل التي تأكلها الأمم، كما ينظر الرجل العاقل إلى العذرة، أو إلى صديد الموتى، وغير ذلك من الأشياء القذرة، التى لا يسوغ لأحدٍ أكلها!
فهذا هو الأصل في بقاء هذه الطائفة على أديانها، لشدةِ مباينتها لغيرها من
الأمم، ولأنهم ينظرون إلى الناس بعين النقص والإزراء إلى أبعد غاية.
.. أما الطائفة الأولى، وهم القراءون، فأكثرهم خرج إلى دين الإسلام أولًا
فأولًا، إلى أن لم يبق منهم إلا نفرٌ يسير، لأنهم أقربُ إلى الاستعداد لقبول
الإسلام لسلامتهم من محالات فقهاء الربانيين، أصحاب الافتراء الزائد،
الذين شددوا على جماعتهم الإصر.
فقد تبين، مما ذكرنا، أن الحاخاميم هم الذين شددوا على هذه الطائفة دينهم، وضيقوا عليهم المعيشة والإصر، قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب
الأمم، حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطهم بهم إلى خروجهم من دينهم.
والسبب الثاني في تضييق الإصر عليهم أن اليهود مُبددون في شرق البلاد
وغربها، فما من جماعة منهم في بلدةٍ إلا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من
بلاد بعيدة، يظهر لهم الخشونة في دينهِ، والمبالغة في التورع والاحتياط.
فإن كان من المتفقهة فهو يسرع في إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عمَّا هم فيه، وينسبهم إلى قلة الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخه وأهل بلده، ويكون في أكثر ذلك الإسناد كاذبًا، ويكونُ قصدهُ بذلك إما الرئاسة عليهم، وإما
[ ٨٦ ]
تحصيل غرض منهم، ولا سيما إن أراد المقام بينهم، أو التدين عندهم،
فتراه أول ما ينزل بهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل
سكين ذبائحهم، وينكر عليهم بعض أمره.
ويقول: أنا لا آكل إلا من ذباحة يدي، فتراهم معه في عذابٍ لا يزال ينكر
عليهم الحلال والمباح، ويوهمهم تحريمه بإسنادات يخترعها، حتىَ لا يشكوا فى
ذلك.
فإن وصل بعد مدة طويلة من أهل بلده من يعرف أنه كاذب في تلك الإسنادات، فلا يخلو أمره من أن يوافقه أو يخالفه، فإن وافقه فإنما يوافقه ليشاركه في الرئاسة الناموسية التي حصلت له، وخوفًا من أن يكذب إن خالفه، وينسب إلى قلة الدين.
وأيضًا: فإن القادم الثاني - في أكثر الأمر - يستحسن ما اعتمده القادم الأول من تحريم المباحات وإنكار المحللات، ويقول لقد عظم الله ثواب فلانٍ، إذ قوى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة، وشيد سياج الشرع عندهم. وإذا على الانفراد يشكره ويجزيه خيرًا، ويقول له: لقد زين الله بك أهل بلدنا!
وإن كان القادم الثاني ينكر ما أتى به القادم الأول من الإنكار عليهم
والتضييق، لم يبق من الجماعة واحد يستنصحه ويصدقه، بل جميعهم ينسبونه
إلى قلة الدين، لأن هؤلاء القوم يعتقدون أن تضييق المعيشة وتحريم المحللات، هو
[ ٨٧ ]
المبالغة في الدين والزهد وعم أبدًا يعتقدون الدين والحق مع من يضيق عليهم ولا ينظرون هل يأتي بدليل أم لا، ولا يبحثون عن كونه محقًا أو مبطلًا؟!
هذا حال القادم إلى بلد من متفقهة.
فأما إن كان القادم أحد أحبار اليهود وعلمائهم، فهنالك ترى العجب من
الناموس الذي يعتمده، والسنن التي يحدثها ويلحقها الفرائض، ولا يقدر أحدهم على الاعتراض عليه، فتراهم مستسلمين إليه، وهو يختلب درهم، ويجتلب بحيله درهمهم، حتى لو بلغه أن بعض أحداث اليهود، قد جلس على قارعة الطريق في يوم السبت، أو اشترى لبنًا من بعض المسلمين أو خمرًا، ثلبه وسبه فى تجمع من يهود المدينة، وأباحهم عرضه ونسبه إلى قلة الدين!
فهذا السبب، والسبب الذي ذكرناه قبله، العلة في تشديد
الإصر الذى جعلته اليهود على أنفسها، وتضييق المعيشة عليها، وتجنبهم مآكل غيرهم، ومخالطة من كان على غير ملتهم، وقد أوضحناهما للمتأمل.
[ ٨٨ ]