إن من سبيل ذوى التحصيل أن يتجنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح فى
العقول السليمة، ورجح تزييفه، عند ذوي الأفهام المستقيمة.
ولهذه الطائفة من فنون الضلال والاختلال ما تنبو عن مثله العقول،
يخالفه المشروع والمعقول. وذلك أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم
[ ٥٨ ]
وعملهم بالغصب الممدود عليهم، يقولون في كل يوم في صلاتهم: إنهم أبناء
الله وأحباؤه، وذلك قولهم في كل يوم في الصلاة.
"اهباث عولام اهبتا نوأذوناى الوهينو".
تفسيره: " محبة الدهر أحببتنا يا إلهنا".
" هشليتيو لتوراتيخا ".
تفسيره: " ارددنا يا أبانا إلى شريعتك ".
"ابينو ملكينو الوهينو".
تفسيره: " يا أبانا يا مالكنا يا إلهنا".
"اتا أذوناى ابينو كو الينو".
تفسيره: "أنت اللهم أبونا منقذنا".
وايت كل رود في بانخا واوينى غداثنحا لولام كسامويام ايجاد ميهم لو نوثار.
تفسيره: " وجميع الذين اقتصُّوا أثر بنيك، واعدًا جماعتك كلهم غطاهم
البحر واحد منهم لم يبق "؛ ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم!
وهذا من قلة عقولهم، وفساد نظرهم، فإن المعتنى بمصالح الكرم، إنما يجعل
على أعالى حيطانه الشوك حفظًا، وحياطة للكرم ".
[ ٥٩ ]
ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار وذلك
مبطلٌ " لقولهم، وينتظرون قائمًا يأتيهم من آل داود النبي، إذا حرك شفتيه
بالدعاء مات جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به.
وقد كان الأنبياء، ﵈، ضربوا لهم أمثالًا، أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح ﵇، وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم.
فمن ذلك قول إشيعيا في نبوءته:
"وعارزانت عم كبيش يحذا ويربضو شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارباكبا
قارلوخل يتبين ".
تفسيره: " إن الذيب والكبش يرعيان جميعًا، ويربضان معًا، وأن البقرة والدب يرعيان جميعًا، وأن الأسد يأكل التبن كالبقرة".
فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية، دون معانيها العقلية، فقولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد حتى يأكل التبن ويصبح حينئذ لهم علامة المسيح إ!
ويعتقدون أن هذا المنتظر حتى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير
لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، ويجم الموت عن جنابهم المدد
الطويلة.
[ ٦٠ ]
وسبيلهم أن لا يعدلوا عن تتبع الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها،
ليعلموا وقت أكلها إياه!
وأيضًا، فإنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة، يقولون فى
صلاتههم: "ألوهينو والوهى أبو ثينو ملوخ على كل يوشى تيبيل أرضيخا
ويوماركول أشير نشا مانا قواذوناى الوهى يسرائيل مالاخ وملخو توبكوك
ما شيا لا ".
تفسيره: " يا إلهنا وإله آبائنا املكْ على جميع الأرض، ليقول كل ذى قسمة، الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة".
ويقولون في هذه الصلاة أيضًا: "وسيكون لله الملك، وفى ذلك اليوم يكون الله واحدًا".
ويعنون بذلك أنه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة إلى
اليهود الذين هم أمته وصفوته، فأما مادامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته!!.
فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع الأرض "،
ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله ". وما ينخرط في هذا السلك قولهم:
"لا ما يومر وهلويثم إلى يا ألوهيهم ".
تفسيره: " لم يقول الأمم أين إلههم ".
وقولهم: " عورا لا مانيشان ادوناى هاقيصا مشنا شيخا".
تفسيره: " انتبه كم تنام يارب، استيقظ من رقدتك ".!
وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج
[ ٦١ ]
لا يزداد منهم إلا بعدًا، فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من التزندق والهذيان، الذي لا يستحسنه إلا عقولهم الركيكة! .. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخى لهم، ويحمى لنفسه، لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت!
فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلامه يقع عند الله بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخِّيه! .. وهؤلاء على الحقيقة ينبغى أن يرحم جهلهم وضعف عقولهم.
وأيضًا فإنه عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسى منظره كمنظر البلور، ذلك قوله: "وتراوايث ألوهى هشفير وخعيصم هشاما يم لا طوهر".
ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بأصبع الله! .. في قولهم: "بإصباع ألوهيتم ".
ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على أن
أحبارهم قد تهذبوا كثيرًا عن معتقد آبائهم، بما استفادوه من توحيد المسلمين، وأعربوا عن تفسير ما عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم، مما لا
تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقولها، وصاروا متى سُئلوا عما عندهم من هذه الفضائح، استتروا بالجحد والبهتان، خوفًا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة.
ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله، تعالى، إلى الندم على ما يفعل، فمن ذلك
قولهم في التوراة التي بأيديهم: "ويناجم أذوناى كى عاسا اث مما اذام يا أرض
ويتعصب إل لبُّو ".
[ ٦٢ ]
تفسيره: " وندم الله على خلق البشر في الأرض وشق عليه ".
وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه الألفاظ عن موجب اللغة، وفسر:
" ويناخم أذوناى وثاب أذوناى تميمريه ".
يعنى: " وعاد الله في رأيه "! .. وهذا التأويل، وإن كان غير موافق
اللغة فهو أيضًا كفر، بل مناقض لا يدفعونه من البداء والنسخ.
وأما الدليل على أن تفسير: " ويتعصب إل لبوُّ" وشق عليه " فهو ما جاء فى
مخاطبة حواء، ﵍: بعصيب يتلدى بانيم "
تفسيره: " بمشقة تلدين الأولاد".
فقد تبين أن "العصيب " في اللسان العبراني هو "المشقة".
وهذه الآية عندهم في قصة قوم نوح، زعموا أن الله، تعالى، لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظما، ندم على خلق البشر، وشق عليه! ..
ولا يعلمُ البله أن من يقول بهذه المقالة لزمه أن الله قبل أن يخلق البشر لم يكن
عالمًا بما سيكون من قوم نوح، وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما
يكفرون!
وعندهم أيضا: أن الله، تعالى، قال لشموائيل النبي، ﵇: "نيحا
متى لي هملا حتى اث شا أولميلخ على يسرا ائل ".
تفسيره ": ندمت إذ وليت شاءول ملكًا على إسرائيل ".
وفي موضع آخر من سفر شموائيل: " وادناى نيخام كى هميلخ اث شا
أول على يسراائل ".
[ ٦٣ ]
تفسيره: " والله ندم على تمليكه شاءول على إسرائيل ".
وأيضًا فإن عندهم أن نوحًا النبي ﵇، لما خرج من السفينة بدأ ببناء
مذبح لله، وقرب عليه قرابين، ويتلوا ذلك:
"وتارخ ادوناى اث ريتخ هينحورخ ويومر ادوناى ال لبولا سيف عود لقليل
اث ها إذا ما با عبورها إذام لي يبصر لبب ها اذام راع منعورا وولوا وسيف عود لهلكوت اث كل ماى يكا اشيرعا سيتى".
تفسيره: " فاستنشق الله رائحة الفنار، فقال الله في ذاته: لن أعاود لعنة
الأرض، بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع الرداءة، ولن أعاود إهلاك جميع الحيوان، كما صنعت ".
ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى،
صلوات الله عليه ولا نقول أيضًا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحق أولى ما اتبع، ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة.