ومن الفضائح التي عندهم مذهبهم في قصة اليتامى والحالوص، وذلك أنهم
أمروا أنه إذا أقام أخوان في موضع واحدٍ، ومات أحدهما، ولم يعقب ولدًا، فلا يخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي بل ولد حميها ينكحها، وأول ولد
[ ٧٦ ]
يولدها ينسب إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خرجت متشكية منه إلى
مشيخة قومها، قائلة: " قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسمًا لأخيه في إسرائيل، ولم يرد نكاحي"، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف، ويقول:
"لوحا فاصتى لقحتاه ".
تفسيره: "ما أردت نكاحها". فتتناول المرأة نعله، فتخرجها عن
رجله، وتمسكها بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه:
" كاخاييعأس لا أيش أشيرلو يبنى اث بيت اخيو".
تفسيره: " كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبنى بيت أخيه ".
ويدعى فيما بعد اسمه بالمخلوع النعل، وينعت بيته بهذا اللقب، أعني بيت المخلوع النعل.
هذا كله مفترض في التوراة عليهم، وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج، لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة أن تشكوه إلى نادى قومها، فذلك مما يحمله على نكاحها، فإن لم يردعه الحياء من ذلك، فربما إذا حضر استحى أن يقول: ما أردت نكاحها.
فإن لم يخجله ذلك، فربما يستحى من انتهاك العرض بخلع نعله، وكون المرأة تسل نعله، وتبصق في وجهه، وتنادى عليه بقلة البركة والمروءة.
فإن هو استهان بذلك، فربما استعظم أن ينبز باللقب، ويبقى عليه وعلى آله من بعده عارهُ وقبح اسمه، فيلجئه ذلك إلى نكاحها.
[ ٧٧ ]
فإن كان من الزهد فيها بحيث يهون عليه جميع ذلك، فقد فرق الشرع بينهما بعد ذلك. وليس في التوراة غير هذا، ففرَّع فقهاؤهم على ذلك ما فيه خزيهم وفضيحتهم، وذلك أنه إذا زهدت المرأة في نكاح أخو زوجها المتوفى، أكرهوه على النزول عنها، ثم ألزموها الحضور عند الحاكم، بمحضر من مشيختهم، ولقنوها أن تقول: "مئاين ينامى لها قيم لا خيوشيم بيسرائيل لو ابائيمى".
تفسيره: " أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسمًا في إسرائيل، لم يرد نكاحي "!
فيلزموها بالكذب عليه " لأنه أراد فمنعته، فكان الامتناع منها والإرادة
منه، وإذا لقنوها تلك الألفاظ، فهم يأمرونها بالكذب، ويحضرونه
ويأمرونه بأن يقوم،
ويقول: " لوخا فاصتى لقحتاه ".
تفسيره: " ما أردت نكاحها".
ولعل ذلك سؤله ومناه! فيأمرونه بأن يكذبَ.
وأما إحراقها به، وبصقها في وجهه، فغاية التعدى، لأنه ما كفاهم أن كذبوا
عليه، وألزموه بأن يكذب، حتى ألزموه عقابًا على ذنب لم يجنه! ..
فصاروا كما قال الشاعر:
وَجُرْمُ جرَّهُ سُفَهاءُ قومٍ .. فحلَّ بغيرِ جانيهِ العقابُ!