١١ - سُؤال مَا حكم الاحتفال بليلة سبع وَعشْرين لَيْلَة الْقدر الْجَواب خير الْهدى هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها فهدي النَّبِي ﷺ فِي رَمَضَان الْإِكْثَار من الْعِبَادَات من صَلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَصدقَة وَغير ذَلِك من وُجُوه الْبر وَكَانَ فِي الْعشْرين الأول ينَام وَيُصلي فَإِذا دخل الْعشْر الْأَخير أيقظ أَهله وَشد المئزر وَأَحْيَا ليله وحث على قيام رَمَضَان وَقيام لَيْلَة الْقدر فَقَالَ ﷺ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه مُتَّفق عَلَيْهِ وَبَين ﷺ أَن لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَأَنَّهَا فِي أحد أوتاره فَقَالَ ﷺ التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فِي الْوتر مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَجَاء فِيهِ التمسوها فِي تسع يبْقين أَو سبع يبْقين أَو خمس يبْقين أَو ثَلَاث يبْقين أَو آخر لَيْلَة قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد
[ ٤٩ ]
إِخْرَاجه هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعلم النَّبِي ﷺ عَائِشَة ﵂ الدُّعَاء الَّذِي تَدْعُو بِهِ إِن وَافَقت هَذِه اللَّيْلَة فقد روى أَحْمد فِي الْمسند عَنْهَا ﵂ قَالَت يَا نَبِي الله إِن واقفت لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا قَالَ تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عَيْني وَقد أخرجه أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح هَذَا هدي الرَّسُول ﷺ فِي رَمَضَان وَفِي لَيْلَة الْقدر وَأما الاحتفال بليلة سبع وَعشْرين على أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر فَهُوَ مُخَالف لهدي الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ ﷺ لم يحتفل بليلة الْقدر فالاحتفال بهَا بِدعَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عُضْو عبد الله بن منيع عُضْو عبد الله بن غديان نَائِب رَئِيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي فتاوي اللجنة ٣٤٠
[ ٥٠ ]
١٢ - حكم الإحتفال بليلة الْإِسْرَاء والمعراج الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه أما بعد فَلَا ريب أَن الْإِسْرَاء والمعراح من آيَات الله الْعَظِيمَة الدَّالَّة على صدق رَسُوله مُحَمَّد ﷺ وعَلى عظم مَنْزِلَته عِنْد الله ﷿ كَمَا أَنَّهَا من الدالئل على قدرَة الله الباهرة وعَلى علوه ﷾ على جَمِيع خلقه قَالَ الله ﷾ سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله لنريه من آيَاتنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير (١) وتواتر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء وَفتحت لَهُ أَبْوَابهَا حَتَّى جَاوز السَّمَاء السَّابِعَة فَكَلمهُ ربه سُبْحَانَهُ بِمَا أَرَادَ وَفرض عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس وَكَانَ الله سُبْحَانَهُ فَرضهَا أَولا خمسين صَلَاة فَلم يزل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ يُرَاجِعهُ ويسأله
[ ٥١ ]
التَّخْفِيف حَتَّى جعلهَا خمْسا فِي الْفَرْض وَخمسين فِي الْأجر لِأَن الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا فَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر على جَمِيع نعمه وَهَذِه اللَّيْلَة الَّتِي حصل فِيهَا الْإِسْرَاء والمعراج لم يَأْتِ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَعْيِينهَا لَا فِي رَجَب وَلَا غَيره وكل مَا ورد فِي تَعْيِينهَا فَهُوَ غير ثَابت عَن النَّبِي ﷺ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَللَّه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي إنساء النَّاس لَهَا وَلَو ثَبت تَعْيِينهَا لم يجز للْمُسلمين أَن يخصوها بِشَيْء من الْعِبَادَات وَلم يجز لَهُم أَن يحتفلوا بهَا لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ لم يحتفلوا بهَا وَلم يخصوها بِشَيْء وَلَو كَانَ الإحتفال بهَا أمرا مَشْرُوعا لبينه الرَّسُول ﷺ للْأمة إِمَّا بالْقَوْل إِمَّا بِالْفِعْلِ وَلَو وَقع شَيْء من ذَلِك لعرف واشتهر ولنقله الصَّحَابَة ﵃ إِلَيْنَا فقد نقلوا عَن نَبِيّهم ﷺ كل شَيْء تحتاجه الْأمة وَلم يفرطوا فِي شَيْء من الدّين بل هم السَّابِقُونَ إِلَى كل خير فَلَو كَانَ الإحتفال بِهَذِهِ اللَّيْلَة مَشْرُوعا لكانوا أسبق النَّاس إِلَيْهِ وَالنَّبِيّ ﷺ هُوَ أنصح النَّاس للنَّاس وَقد بلغ الرسَالَة غَايَة الْبَلَاغ
[ ٥٢ ]
وَأدّى الْأَمَانَة فَلَو كَانَ تَعْظِيم هَذِه اللَّيْلَة والإحتفال بهَا من دين الله لم يغفله النَّبِي ﷺ وَلم يَكْتُمهُ فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَن الإحتفال بهَا وتعظيمها ليسَا من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَقد أكمل الله لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَأتم عَلَيْهَا النِّعْمَة وَأنكر على من شرع فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله قَالَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين من سُورَة الْمَائِدَة الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (١) وَقَالَ ﷿ فِي سُورَة الشورى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَوْلَا كلمة الْفَصْل لقضي بَينهم وَإِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم (٢) وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة التحذير من الْبدع وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهَا ضَلَالَة تَنْبِيها للْأمة على عظم خطرها وتنفيرا لَهُم من اقترافها وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد
[ ٥٣ ]
وَفِي رِوَايَة لمُسلم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي خطبَته يَوْم الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة زَاد النَّسَائِيّ بِسَنَد جيد وكل ضَلَالَة فِي النَّار وَفِي السّنَن عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ أَنه قَالَ وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا فَقَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فعليم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَقد ثَبت عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَعَن السّلف الصَّالح بعدهمْ التحذير من الْبدع والترهيب مِنْهَا وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهَا زِيَادَة فِي الدّين
[ ٥٤ ]
وَشرع لم يَأْذَن بِهِ الله وتشبه بأعداء الله من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي زيادتهم فِي دينهم وابتداعهم فِيهِ مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلِأَن لازمها التنقص للدّين الإسلامي واتهامه بِعَدَمِ الْكَمَال وَمَعْلُوم مَا فِي هَذَا من الْفساد الْعَظِيم وَالْمُنكر الشنيع والمصادمة لقَوْل الله ﷿ الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ والمخالفة الصَّرِيحَة لأحاديث الرَّسُول ﵊ المحذرة من الْبدع والمنفرة مِنْهَا وَأَرْجُو أَن يكون فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة كِفَايَة ومقنع لطَالب الْحق فِي إِنْكَار هَذِه الْبِدْعَة أَعنِي بِدعَة الاحتفال بليلة الْإِسْرَاء والمعراج والتحذير مِنْهَا وَإِنَّهَا لَيست من دين الْإِسْلَام فِي شَيْء وَلما أوجل الله من النصح للْمُسلمين وَبَيَان مَا شرع الله لَهُ من الدّين وَتحرم كتمان الْعلم رَأَيْت تَنْبِيه إخْوَانِي الْمُسلمين على هَذِه الْبِدْعَة الَّتِي قد فَشَتْ فِي كثير من الْأَمْصَار حَتَّى ظَنّهَا بعض النَّاس من الدّين وَالله الْمَسْئُول أَن يصلح أَحْوَال الْمُسلمين جَمِيعًا ويمنحهم الْفِقْه فِي الدّين ويوفقنا وإياهم للتمسك بِالْحَقِّ والثبات
[ ٥٥ ]
عَلَيْهِ وَترك م خَالفه إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وَصلى الله وَسلم وَبَارك على عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه مَجْمُوع فتاوي سماحة ى الشَّيْخ ابْن باز ١١٨٨
١٣ - حكم الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان الْحَمد لله الَّذِي أكمل لنا الدّين وَأتم علينا النِّعْمَة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه وَرَسُوله مُحَمَّد نَبِي التَّوْبَة وَالرَّحْمَة أما بعد فقد قَالَ الله تَعَالَى الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (١) وَقَالَ تَعَالَى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله (٢) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول فِي خطْبَة الْجُمُعَة وَأما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد
[ ٥٦ ]
ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي تدل دلَالَة صَرِيحَة على أَن الله ﷾ قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَأتم عَلَيْهَا نعْمَته وَلم يتوف نبيه ﵊ إِلَّا بَعْدَمَا بلغ الْبَلَاغ الْمُبين وَبَين للْأمة كل مَا شَرعه الله لَهَا من أَقْوَال وأعمال وأوضح ﷺ أَن كل مَا يحدثه النَّاس بعده وينسبونه إل دين الْإِسْلَام من أَقْوَال أَو أَعمال فكله بِدعَة مَرْدُودَة على من أحدثه وَلَو حسن قَصده وَقد عرف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْأَمر وَهَكَذَا عُلَمَاء الْإِسْلَام بعدهمْ فأنكروا الْبدع وحذروا مِنْهَا كَمَا ذكر ذَلِك كل من صنف فِي تَعْظِيم السّنة وإنكار الْبِدْعَة كَابْن وضاح والطرطوشي وَأبي شامة وَغَيرهم وَمن الْبدع الَّتِي أحدثها بعض النَّاس بِدعَة الإحتفال بلية النّصْف من شعْبَان وَتَخْصِيص يَوْمهَا بالصيام وَلَيْسَ على ذَلِك دَلِيل يجوز الإعتماد عَلَيْهِ وَقد ورد فِي فَضلهَا أَحَادِيث ضَعِيفَة لَا يجوز الإعتماد عَلَيْهَا أما مَا ورد فِي فضل الصَّلَاة فِيهَا فكله مَوْضُوع كَمَا نبه على ذَلِك كثير من أهل الْعلم وَسَيَأْتِي ذكر بعض كَلَامهم
[ ٥٧ ]
إِن شَاءَ الله وَورد فِيهَا أَيْضا آثَار عَن بعض السّلف من أهل الشَّام وَغَيرهم وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء أَن الإحتفال بهَا بِدعَة وَأَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فَضلهَا كلهَا ضَعِيفَة وَبَعضهَا مَوْضُوع وَمِمَّنْ نبه على ذَلِك الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي كِتَابه (لطائف المعارف) وَغَيره وَالْأَحَادِيث الضعيفة إِنَّمَا يعْمل بهَا فِي الْعِبَادَات الَّتِي قد ثت أَصْلهَا بأدلة صَحِيحَة أما الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان فَلَيْسَ لَهُ أصل صَحِيح حَتَّى يسْتَأْنس لَهُ بالأحاديث الضعيفة وَقد ذكر هَذِه الْقَاعِدَة الجليلة الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ وَأَنا أنقل لَك أَيهَا القارىء مَا قَالَه بعض أهل الْعلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى تكون على بَيِّنَة فِي ذَلِك وَقد أجمع الْعلمَاء ﵏ على أَن الْوَاجِب رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس من الْمسَائِل إِلَى كتاب الله ﷿ وَإِلَى سنة رَسُول الله ﷺ فَمَا حكما بِهِ أَو أَحدهمَا فَهُوَ الشَّرْع الْوَاجِب الإتباع وَمَا خالفهما وَجب إطراحه وَمَا لم يرد فيهمَا من الْعِبَادَات فَهُوَ بِدعَة لَا يجوز فعله فضلا عَن الدعْوَة إِلَيْهِ وتحبيذه
[ ٥٨ ]
كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَة النِّسَاء ياأيها الَّذين أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خيرا وَأحسن تَأْوِيلا (١) وَقَالَ تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم (٢) وَقَالَ ﷿ فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا (٤) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي نَص فِي وجوب رد مسَائِل الْخلاف إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَوُجُوب الرضى بحكمهما وَأَن ذَلِك هُوَ مُقْتَضى الْإِيمَان وَخير للعباد فِي العاجل والآجل وَأحسن تَأْوِيلا أَي عَاقِبَة قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب ﵀ فِي كِتَابه
[ ٥٩ ]
لطائف المعارف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بعد كَلَام سبق مَا نَصه وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَانَ التابعون من أهل الشَّام كخالد بن معدان وَمَكْحُول ولقمان بن عَامر وَغَيرهم يعظمونها ويجتهدون فِيهَا فِي الْعِبَادَة وعنهم أَخذ النَّاس فَضلهَا وتعظيمها وَقد قيل أَنه بَلغهُمْ فِي ذَلِك آثَار إسرائيلية فَلَمَّا اشْتهر ذَلِك عَنْهُم فِي الْبلدَانِ اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من قبله مِنْهُم وَوَافَقَهُمْ على تعظيمها مِنْهُم طَائِفَة من عباد أهل الْبَصْرَة وَغَيرهم وَأنكر ذَلِك أَكثر عُلَمَاء الْحجاز مِنْهُم عَطاء وَابْن أبي مليكَة وَنَقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عَن فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة وَهُوَ قَول أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم وَقَالُوا ذَلِك كُله بِدعَة وَاخْتلف عُلَمَاء أهل الشَّام فِي صفة إحيائها على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنه يسْتَحبّ إحياؤها جمَاعَة فِي الْمَسَاجِد كَانَ خَالِد بن معدان ولقمان بن عَامر وَغَيرهمَا يلبسُونَ فِيهَا أحسن ثِيَابهمْ ويتبخرون ويتكحلون ويقومون فِي الْمَسْجِد ليلتهم تِلْكَ وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه على ذَلِك وَقَالَ فِي قِيَامهَا فِي الْمَسَاجِد جمَاعَة لَيْسَ ذَلِك ببدعة نَقله حَرْب
[ ٦٠ ]
الْكرْمَانِي فِي مسَائِله وَالثَّانِي أَنه يكره الإجتماع فِيهَا فِي الْمَسَاجِد للصَّلَاة والقصص وَالدُّعَاء وَلَا يكره أَن يُصَلِّي الرجل فِيهَا لخاصة نَفسه وَهَذَا قَول الْأَوْزَاعِيّ إِمَام أهل الشَّام وفقيههم وعالمهم وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى أَن قَالَ وَلَا يعرف للْإِمَام أَحْمد كَلَام فِي لَيْلَة نصف شعْبَان وَيتَخَرَّج فِي اسْتِحْبَاب قِيَامهَا عَنهُ رِوَايَتَانِ من الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي قيام لَيْلَتي الْعِيد فَإِنَّهُ فِي رِوَايَة لم يسْتَحبّ قِيَامهَا جمَاعَة لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه واستحبها فِي رِوَايَة لفعل عبد الرحمن بن يزِيد بن الْأسود لذَلِك وَهُوَ من التَّابِعين فَكَذَلِك قيام لَيْلَة النّصْف لم يثبت فِيهَا شَيْء عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه وَثَبت فِيهَا عَن طَائِفَة من التَّابِعين من أَعْيَان فُقَهَاء أهل الشَّام انْتهى الْمَقْصُود من كَلَام الْحَافِظ ابْن رَجَب ﵀ وَفِيه التَّصْرِيح مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه ﵃ شَيْء فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَأَنا مَا اخْتَارَهُ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ من اسْتِحْبَاب قِيَامهَا
[ ٦١ ]
للأفراد واختبار الْحَافِظ ابْن رَجَب لهَذَا القلو فَهُوَ غَرِيب وَضَعِيف لِأَن كل شَيْء لم يثبت بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَونه مَشْرُوعا لم يجز للْمُسلمِ أَن يحدثه فِي دين الله سَوَاء فعله مُفردا أَو فِي جمَاعَة وَسَوَاء أسره أَو أعلنه لعُمُوم قَول النَّبِي ﷺ من عمل عمل لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَغَيره من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على إِنْكَار الْبدع والتحذير مِنْهَا وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر الطرطوشي ﵀ فِي كِتَابه الْحَوَادِث والبدع مَا نَصه وروى ابْن وضاح عَن زيد بن أسلم قَالَ مَا أدركنا أحدا من مشيختنا وَلَا فقهائنا يلتفتون إِلَى النّصْف من شعْبَان وَلَا يلتفتون إِلَى حَدِيث مَكْحُول وَلَا يرَوْنَ لَهَا فضلا على مَا سواهَا وَقيل لِابْنِ أبي مليكَة إِن زيادا يَقُول إِن أجر لَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَأَجر لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لَو سمعته وَبِيَدِي عَصا لضربته وَكَانَ زيادا قَاصا انْتهى الْمَقْصُود وَقَالَ الْعَلامَة الشَّوْكَانِيّ ﵀ فِي الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة مَا نَصه حَدِيث يَا عَليّ من صلى مائَة رَكْعَة لَيْلَة النّصْف من
[ ٦٢ ]
شعْبَان يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَقل هُوَ الله أحد عشر مَرَّات قضى الله لَهُ كل حَاجَة إِلَخ هُوَ مَوْضُوع وَفِي أَلْفَاظه المصرحة بِمَا يَنَالهُ فاعلها من الثَّوَاب مَا لَا يمتري إِنْسَان لَهُ تَمْيِيز فِي وَضعه وَرِجَاله مَجْهُولُونَ وَقد رُوِيَ من طَرِيق ثَانِيَة وثالثة كلهَا مَوْضُوعَة ورواتها مَجَاهِيل وَقَالَ فِي الْمُخْتَصر حَدِيث صَلَاة نصف شعْبَان بَاطِل وَلابْن حبَان من حَدِيث عَليّ إِذا كَانَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان بَاطِل فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا ضَعِيف وَقَالَ فِي اللأليء مائَة رَكْعَة فِي نصف شعْبَان بالإخلاص عشر مَرَّات مَعَ طول فَضله للديلمي وَغَيره مَوْضُوع وَجُمْهُور رُوَاته فِي الطّرق الثَّلَاث مَجَاهِيل مَوْضُوع وَأَرْبع عشرَة رَكْعَة مَوْضُوع وَقد اغْترَّ بِهَذَا الحَدِيث جمَاعَة من الْفُقَهَاء كصاحب الْإِحْيَاء وَغَيره وَكَذَا من الْمُفَسّرين وَقد رويت صَلَاة هَذِه اللَّيْلَة أَعنِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان على أنحاء مُخْتَلفَة كلهَا بَاطِلَة مَوْضُوعَة وَلَا يُنَافِي هَذَا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة لذهابه ﷺ إِلَى البقيع ونزول الرب لَيْلَة النّصْف
[ ٦٣ ]
إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَأَنه يغْفر لأكْثر من عدَّة شعر غنم كلب فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي هَذِه الصَّلَاة الْمَوْضُوعَة فِي هَذِه اللَّيْلَة على أَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا فِيهِ ضعف وَانْقِطَاع كَمَا أَن حَدِيث عَليّ الَّذِي تقدم ذكره فِي قيام لَيْلهَا لَا يُنَافِي كَون هَذِه الصَّلَاة مَوْضُوعَة على مَا فِيهِ من الضعْف حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ انْتهى الْمَقْصُود وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ حَدِيث صَلَاة لَيْلَة النّصْف مَوْضُوع على رَسُول الله ﷺ وَكذب عَلَيْهِ وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي كتاب الْمَجْمُوع (الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة بِصَلَاة الرغائب وَهِي اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة بَين الْمغرب وَالْعشَاء لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب وَصَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان مائَة رَكْعَة هَاتَانِ الصَّلَاتَان بدعتان منكرتان وَلَا يغتر بذكرهما فِي كتاب قوت الْقُلُوب وإحياء عُلُوم الدّين وَلَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فيهمَا فَإِن كل ذَلِك بَاطِل وَلَا يغتر بِبَعْض من اشْتبهَ عَلَيْهِ حكمهمَا من الْأَئِمَّة فصنف وَرَقَات فِي استحبابهما فَإِنَّهُ غالط فِي ذَلِك وَقد صنف الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الرحمن بن إِسْمَاعِيل
[ ٦٤ ]
الْمَقْدِسِي كتابا نفيسا فِي إبطالهما فَأحْسن فِيهِ وأجاد وَكَلَام أهل الْعلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثير جدا وَلَو ذَهَبْنَا ننقل كل مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ من كَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لطال بِنَا الْكَلَام وَلَعَلَّ فِيمَا ذكرنَا كِفَايَة ومقنعا لطَالب الْحق وَمِمَّا تقدم من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَكَلَام أهل الْعلم يَتَّضِح لطَالب الْحق أَن الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان بِالصَّلَاةِ أَو غَيرهَا وَتَخْصِيص يَوْمهَا بالصيام بِدعَة مُنكرَة عِنْد أَكثر أهل الْعلم وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي الشَّرْع المطهر بل هُوَ مِمَّا حدث فِي الْإِسْلَام بعد عصر الصَّحَابَة ﵃ وَيَكْفِي طَالب الْحق فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره قَول الله ﷿ الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ (١) وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهَا من الْآيَات وَقَول النَّبِي ﷺ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ من الْأَحَادِيث وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي وَلَا تخصوا يَوْمهَا بالصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن
[ ٦٥ ]
يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم فَلَو كَانَ تَخْصِيص شَيْء من اللَّيَالِي بِشَيْء من الْعِبَادَة جَائِزا لكَانَتْ لَيْلَة الْجُمُعَة أولى من غَيرهَا لِأَن يَوْمهَا هُوَ خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس بِنَصّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا حذر النَّبِي ﷺ من تخصيصها بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي دلّ ذَلِك على أَن غَيرهَا من اللَّيَالِي من بَاب أولى لَا يجوز تَخْصِيص شَيْء مِنْهَا بِشَيْء من الْعِبَادَة إِلَّا بِدَلِيل صَحِيح يدل على التَّخْصِيص وَلما كَانَت لَيْلَة الْقدر وليالي رَمَضَان يشرع قِيَامهَا والإجتهاد فِيهَا نبه النَّبِي ﷺ على ذَلِك وحث الْأمة على قِيَامهَا وَفعل ذَلِك بِنَفسِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذنُوبه فَلَو كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان أَو لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب أول لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أَو شَيْء من الْعِبَادَة لأَرْشَد النَّبِي ﷺ الْأمة إِلَيْهِ أَو فعله بِنَفسِهِ وَلَو وَقع شَيْء من ذَلِك لنقله الصَّحَابَة ﵃ إِلَى الْأمة وَلم
[ ٦٦ ]
يكتموه عَنْهُم وهم خير النَّاس وأنصح النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرَضي الله عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وأرضاهم وَقد عرفت آنِفا من كَلَام الْعلمَاء أَنه لم يثبت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه ﵃ شَيْء فِي فضل لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب وَلَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَعلم أَن الإحتفال بهما بِدعَة محدثة فِي الْإِسْلَام وَهَكَذَا تخصيصها بِشَيْء من الْعِبَادَة بِدعَة مُنكرَة وَهَكَذَا لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب الَّتِي يعْتَقد بعض النَّاس أَنَّهَا لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج لَا يجوز تخصيصها بِشَيْء من الْعِبَادَة كَمَا لَا يجوز الإحتفال بهَا للأدلة السَّابِقَة هَذَا لَو علمت فَكيف وَالصَّحِيح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنَّهَا لَا تعرف وَقَول من قَالَ أَنَّهَا لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب قَول بَاطِل لَا أساس لَهُ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَلَقَد أحسن من قَالَ وَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع وَالله الْمَسْئُول أَن يوفقنا وَسَائِر الْمُسلمين للتمسك بِالسنةِ والثبات عَلَيْهَا والحذر مِمَّا خالفها إِنَّه جواد كريم وَصلى
[ ٦٧ ]
الله وَسلم عل عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ١١٩١