٢ - وَسُئِلَ الشَّيْخ عَن أبرز خَصَائِص الْفرْقَة النَّاجِية وَهل النَّقْص من هَذِه الخصائص يخرج الْإِنْسَان مِنْهَا فَأجَاب أبرز الخصائص للفرقة النَّاجِية هِيَ التَّمَسُّك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فِي العقيدة وَالْعِبَادَة والأخلاق والمعاملة هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة تَجِد الْفرْقَة النَّاجِية بارزة فِيهَا فَفِي العقيدة تجدها متمسكة بِمَا دلّ عَلَيْهِ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ من التَّوْحِيد الْخَالِص فِي ألوهية الله وربوبيته وأسمائه وَصِفَاته وَفِي الْعِبَادَات تَجِد هَذِه الْفرْقَة متميزة فِي تمسكها التَّام وتطبيقها لما كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فِي الْعِبَادَات فِي أجناسها وصفاتها وأقدارها وأزمنتها وأمكنتها وأسبابها فَلَا تَجِد عِنْدهم ابتداعا فِي دين الله بل
[ ١٧ ]
هم متأدبون غَايَة الْأَدَب مَعَ الله وَرَسُوله لَا يتقدمون بَين يَدي الله وَرَسُوله فِي إِدْخَال شَيْء من الْعِبَادَات لم يَأْذَن بِهِ الله وَفِي الْأَخْلَاق تجدهم كَذَلِك متميزين عَن غَيرهم بِحسن الْأَخْلَاق كمحبة الْخَيْر للْمُسلمين وانشراح الصَّدْر وطلاقة الْوَجْه وَحسن الْمنطق وَالْكَرم والشجاعة إِلَى غير ذَلِك من مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحسنها وَفِي الْمُعَامَلَات تجدهم يعاملون النَّاس بِالصّدقِ وَالْبَيَان اللَّذين أَشَارَ إِلَيْهِمَا النَّبِي ﷺ فِي قَوْله البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا فَإِن صدقا وَبينا بورك لَهما فِي بيعهمَا وَإِن كذبا وكتما محقت بركَة بيعهمَا وَالنَّقْص من هَذِه الخصائص لَا يخرج الْإِنْسَان عَن كَونه من الْفرْقَة النَّاجِية لَكِن لكل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وَالنَّقْص فِي جَانب التَّوْحِيد رُبمَا يُخرجهُ عَن الْفرْقَة النَّاجِية مثل الْإِخْلَال بالإخلاص وَكَذَلِكَ فِي الْبدع رُبمَا يَأْتِي ببدع تخرجه عَن كَونه من الْفرْقَة النَّاجِية أما مَسْأَلَة الْأَخْلَاق والمعاملات فَلَا يخرج الْإِخْلَال بهما من هَذِه الْفرْقَة وَإِن كَانَ ذَلِك ينقص مرتبته
[ ١٨ ]
وَقد نحتاج إِلَى تَفْصِيل فِي مَسْأَلَة الْأَخْلَاق فَإِن من أهم مَا يكون من الْأَخْلَاق اجْتِمَاع الْكَلِمَة والإتفاق على الْحق الَّذِي أوصانا بِهِ الله تَعَالَى فِي قَوْله شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ (١) وَأخْبر أَن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا أَن مُحَمَّدًا ﷺ برىء مِنْهُم فَقَالَ الله ﷿ إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء (٢) فاتفاق الْكَلِمَة وائتلاف الْقُلُوب من أبرز خَصَائِص الْفرْقَة النَّاجِية أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فهم إِذا حصل بَينهم خلاف ناشيء عَن الإجتهاد فِي الْأُمُور الإجتهادية لَا يحمل بَعضهم على بعض حقدا وَلَا عَدَاوَة وَلَا بغضاء بل يَعْتَقِدُونَ أَنهم إخْوَة حَتَّى وَإِن حصل بَينهم هَذَا الْخلاف حَتَّى أَن الْوَاحِد مِنْهُم ليُصَلِّي خلف الْوَاحِد الَّذِي يرى الْمَأْمُوم أَنه لَيْسَ على وضوء وَيرى الإِمَام أَنه على وضوء مثل أَن الْوَاحِد مِنْهُم يُصَلِّي خلف
[ ١٩ ]
شخص أكل لحم إبل وَهَذَا الإِمَام يرى أَنه لَا ينْقض الْوضُوء وَالْمَأْمُوم يرى أَنه ينْقض الْوضُوء فَيرى أَن الصَّلَاة خلف ذَلِك الإِمَام صَحِيحَة وَإِن كَانَ هُوَ لَو صلاهَا بِنَفسِهِ لرَأى أَن صلَاته غير صَحِيحَة كل هَذَا لأَنهم يرَوْنَ أَن الْخلاف الناشيء عَن اجْتِهَاد فِيمَا يسوغ فِيهِ الإجتهاد لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة بِخِلَاف لِأَن كل وَاحِد من الْمُخْتَلِفين قد تبع مَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه من الدَّلِيل الَّذِي لَا يجوز لَهُ الْعُدُول عَنهُ فهم يرَوْنَ أَن أَخَاهُم إِذا خالفهم فِي عمل مَا اتبَاعا للدليل هُوَ فِي الْحَقِيقَة قد وافقهم لأَنهم هم يدعونَ إِلَى اتِّبَاع الدَّلِيل أَيْنَمَا كَانَ فَإِذا خالفهم مُوَافقَة لدَلِيل عِنْده فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة قد وافقهم لِأَنَّهُ يمشي على مَا يدعونَ إِلَيْهِ ويهدون إِلَيْهِ من تحكيم كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ وَلَا يخفى على كثير من أهل الْعلم مَا حصل من الْخلاف بَين الصَّحَابَة فِي مثل هَذِه الْأُمُور حَتَّى فِي عهد النَّبِي صلى اللهعليه وَسلم وَلم يعنف أحدا مِنْهُم فَإِنَّهُ ﵊ لما رَجَعَ من غَزْوَة الْأَحْزَاب وَجَاء جِبْرِيل وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن يخرج إِلَى بني قُرَيْظَة الَّذين نقضوا الْعَهْد فندب النَّبِي
[ ٢٠ ]
ﷺ أَصْحَابه فَقَالَ لَا يصلين أحد مِنْكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَخَرجُوا من الْمَدِينَة إِلَى بني قُرَيْظَة وأرهقتهم صَلَاة الْعَصْر فَمنهمْ من أخر صَلَاة الْعَصْر حَتَّى وصل إِلَى بني قُرَيْظَة بعد خُرُوج الْوَقْت لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يصلين أحد مِنْكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَمِنْهُم من صلى الصَّلَاة فِي وَقتهَا وَقَالَ إِن الرَّسُول ﷺ أَرَادَ منا الْمُبَادرَة إِلَى الْخُرُوج وَلم يرد منا أَن نؤخر الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَهَؤُلَاء هم المصيبون وَلَكِن مَعَ ذَلِك لم يعنف النَّبِي ﷺ أحدا من الطَّائِفَتَيْنِ وَلم يحمل كل وَاحِد على الآخر عَدَاوَة أَو بغضاء بِسَبَب اخْتلَافهمْ فِي فهم هَذَا النَّص لذَلِك أرى أَن الْوَاجِب على الْمُسلمين الَّذين ينتسبون إِلَى السّنة أَن يَكُونُوا أمة وَاحِدَة وَأَن لَا يحصل بَينهم تحزب هَذَا ينتمي إِلَى طَائِفَة وَالْآخر إِلَى طَائِفَة أُخْرَى وَالثَّالِث إِلَى طَائِفَة ثَالِثَة وَهَكَذَا بِحَيْثُ يتناحرون فِيمَا بَينهم بأسنة الألسن ويتعادون ويتباغضون من أجل اخْتِلَاف يسوغ فِيهِ الإجتهاد وَلَا حَاجَة إِلَى أَن أخص كل طَائِفَة بِعَينهَا لَكِن الْعَاقِل يفهم
[ ٢١ ]
ويتبين لَهُ الْأَمر فَأرى أَنه يجب على أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن يتحدوا حَتَّى وَإِن اخْتلفُوا فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيمَا تَقْتَضِيه النُّصُوص حسب أفهامهم فَإِن هَذَا أَمر فِيهِ سَعَة وَللَّه الْحَمد والمهم ائتلاف الْقُلُوب واتحاد الْكَلم وَلَا ريب أَن أَعدَاء الْمُسلمين يحبونَ من الْمُسلمين أَن يتفرقوا سَوَاء كَانُوا أَعدَاء يصرحون بالعداوة أَو أَعدَاء يتظاهرون بِالْولَايَةِ للْمُسلمين أَو لِلْإِسْلَامِ وهم لَيْسُوا كَذَلِك فَالْوَاجِب أَن نتميز بِهَذِهِ الميزة الَّتِي هِيَ ميزة للطائفة النَّاجِية وَهِي الإتفاق على كلمة وَاحِدَة الْمَجْمُوع الثمين ٢٥٤