«تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا». وقوله: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». رواه البخاري ومسلم.
أما أبدية النار ففيها آراء كثيرة، للسلف منها رأيان:
الأول: رأي جمهور السلف، قالوا: إن النار باقية لا تطفأ، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين، فإنهم يخرجون منها على ما تقدم بيانه في مبحث الشفاعة، واستدلوا على بقائها وخلود الكافرين بقوله تعالى: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ وقوله: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ وقوله: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾، وقوله: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ وقوله: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ وقوله: ﴿مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾.
وقوله: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما﴾.
الرأي الثاني: أن النار تفنى بعد أن يستوفي الكفار نصيبهم من العذاب فيها،
[ ٢٤٦ ]
ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وبه قال ابن تيمية، وابن القيم وجماعة، واستدلوا لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ وقال: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾.
قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى: ﴿إلا ما شاء الله﴾ وبقوله في الآية الثانية: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ولم يأت بعد الاستثناء ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب، كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وهو دال على دوام النعيم واستمراره فكان قرينة على أن الاستثناء الذي قبله لا يراد به الإخراج، إنما يراد به إثبات كمال الاختيار واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ فجعل اللبث في النار مدة محدودة، فدل على انتهاء العذاب، واستدلوا أيضا بأن النار موجب غضبه والجنة موجب رحمته وقد روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ
[ ٢٤٧ ]
قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية: «تغلب غضبي». قالوا: فلو بقي الكفار في النار، ولم تفن النار لكان غضبه قد سبق رحمته، وفي هذا خلف لخبر الصادق ﷺ عن ربه، وخلف خبره مستحيل.
قالوا: وما ورد من النصوص الدالة على خلود الكفار فيها أبدا وعدم خروجهم منها فلا نزاع فيه، لكنه يقتضي البقاء في العذاب ما دامت النار باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، وهناك فرق بين من يخرج من الحبس والحبس قائم، وبين من ينهدم حبسه وينتقض بناؤه، فيبطل حبسه وينتهي سجنه بانتقاض البناء، وقد يناقش هذا بأنه وإن صلح جوابا عن أدلة الخلود فلا يصلح جوابا عن النصوص الصريحة في أن عذابها مقيم، وأنه كان غراما، وأن النار كلما خبت زادها الله سعيرا، وأنهم لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف، بل يزيدهم الله عذابا، وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء بالمشيئة في الآيتين السابقتين مسلط على جميع النصوص التي دلت على دوام العذاب واستمراره، وعلى كل حال فالموضوع من شئون الله فليترك إلى الله سبحانه، والله أعلم.
[ ٢٤٨ ]