وقد شهدت العقول السليمة، والفطر المستقيمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، كما صرحت بذلك نصوص الكتاب والسنة المتنوعة والمحكمة.
فمن ذلك التصريح بالفوقية مقرونا تارة بحرف "من" المعنية لفوقيته تعالى بنفسه، ومجردا منها تارة أخرى، قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾.
ومنها التصريح بالعروج إليه، قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ وقال النبي ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
ومنها التصريح بصعود العمل الصالح إليه، وبرفعه بعض المخلوقات إليه، قال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك﴾ وكذا عروج النبي محمد مع جبريل عليهما الصلاة والسلام إلى السماوات ليلة الإسراء والمعراج، وإخبار النبي ﷺ أنه تردد بين موسى وبين ربه تلك الليلة بشأن تخفيف الصلاة، فيصعد
[ ٢٥٤ ]
إلى ربه ثم يعود إلى موسى ﵊ عدة مرات.
ومنها التصريح بالعلو المطلق الدال على إثبات جميع مراتب العلو، علو النفس والقدر والشرف، قال تعالى: في آية الكرسي ﴿وهو العلي العظيم﴾.
وقال: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾.
وقال: ﴿إنه علي حكيم﴾ منها التصريح في كثير من الآيات بنزول القرآن منه - وتنزيله إلى الأرض يقتضي أنه فوق عباده. وقال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾، وقال: ﴿تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ وقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ ومنها التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، قال تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته﴾ وقال: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ ففرق سبحانه بين من له عموما وبين من عنده من ملائكة وعبيده خصوصا، وقد بين النبي ﷺ «أن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، كتب فيه رحمتي سبقت غضبي».
[ ٢٥٥ ]
ومنها التصريح بأنه تعالى في السماء. قال تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾.
وبيان ذلك أن "في" بمعنى على، وتقدير المعنى: أأمنتم من على السماء، أو "في" على حقيقتها والسماء معناها العلو، وتقدير المعنى: أأمنتم من في العلو، ولا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان.
ومنها التصريح بأنه مستو علي العرش خاصة مع التعدية بعلى وذكر "ثم" في الأكثر، وهي دالة على الترتيب والمهلة، فلا يأتي مع ذلك تأويل استوائه على العرش بالقدرة، أو الاستيلاء عليه.
ومنها التصريح بمشروعية رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء، فقد رفع النبي ﷺ يديه إلى السماء وهو يدعو في الاستسقاء وغيره، وثبت عنه أنه قال: «إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا».
ومنها إشارته ﷺ إشارة حسية إلى جهة "السماء" وهو يخطب الناس في حجة الوداع، يوم الأضحى بينما قال في خطبته: «سوف تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، مشيرا إلى أن الله فوقها وفوق كل شيء، ومنها «سؤاله الجارية بلفظ»
[ ٢٥٦ ]
«صريح في ذلك حيث قال لها: أين الله؟ وشهادته لها بالإيمان حينما أجابته بأن الله في السماء وشهدت له بالرسالة، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة» فهذا السؤال والإقرار والحكم بإيمان الجارية منه ﷺ وهو أعلم الخلق بربه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه من الوجود دليل على أن الله فوق السماء، وأنه فوق كل شيء بنفسه، والأدلة المتعلقة بعلو الله على خلقه كثيرة متنوعة، يؤيد بعضها بعضا، فمن رام أن يتأولها فقد رام باطلا ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فقد فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه، فإنه يسلط على نفسه بذلك مسلك الباطنية الذين يتأولون نصوص الصلاة والزكاة والصيام وسائر فرائض الإسلام، وبهذا يعود الشرع كله مؤولا.
ومع هذا فقد تأول كثير من المتأخرين الفوقية في قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ بأنه تعالى خير من عباده، وأنه خير من العرش وأفضل منه، وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة، وتأباه الفطر السليمة، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له بل هو تأويل سمج مرذول، فإنه يشبه قول القائل: الجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود، والجوهرة فوق قشر البصل أو قشر السمك ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم، ولو أن هذا المتأول أثبت الفوقية مطلقا، فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صوابا، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور أما أن يحصر تأويله في نوع منها بلا دليل فذلك باطل.
[ ٢٥٧ ]
وقد يعبر بالخيرية بين الله وبين بعض خلقه إذا اقتضى المقام ذلك، كمقام الاحتجاج على من أشرك مع الله غيره، ودعوته إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون﴾ وقال حكاية لمقالة يوسف ﵇ لصاحبيه في السجن، ودعوته إياهما إلى التوحيد: ﴿ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾.
وقد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه، وبيان أن وجود الله إما أن يكون ذهنيا فقط، وإما أن يكون في خارج الأذهان فالأول ممنوع بإجماع، وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان، فإما أن يكون عين العالم أو صفة قائمة بالعالم، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من خلقه وكل من الأول والثاني ممنوع، فتعين أن يكون الله موجودا قائما بائنا من خلقه.