والذين يعترضون على الأحاديث، أو على بعض الأحاديث:
يؤمنون بما تواتر من الأحاديث لفظا ومعنى، وهو عدد قليل من الأحاديث؛ كحديث: «من كذب علي متعمدا؛ فليتبوأ مقعده من النار»، أو الأحاديث المتواترة معنى؛ كأحاديث رؤية الله تعالى، وأحاديث المسح على الخفين،
[ ٢٨٨ ]
وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر.
يؤمنون بمثل هذا: إما لمجيئه في القرآن، وإما لتواتره في السنة، وإما لوجوده في الاثنين جميعا، لكنهم لا يؤمنون بأحاديث الآحاد؛ وذلك لأنهم يرون أنها لا تفيد إلا ظنا غير غالب.
فيردون أمثال هذه الأحاديث ولا يحتجون بها أصلا، أو يحتجون بها في الفروع دون الأصول.
أما شبهتهم في رد حجية (حديث الآحاد) فهم يقولون: إن الراوي
[ ٢٨٩ ]
يخطئ ويصيب، وإن الراوي قد يكون عدلا فيما يظهر؛ وهو كذاب أو منافق في باطن أمره.
ويقولون: إن عمر بن الخطاب رد على أبي موسى الأشعري ﵄ حديثه في الانصراف بعد الاستئذان ثلاثا.
فيقولون: هذا عمر بن الخطاب لم يقبل رواية صحابي جليل لحديث، فهذا يدل على أن في رواية الواحد دخنا، وأنه مثار تهمة فلا نعمل به حتى يتأيد بغيره، وقد ورد مثل هذا عن علي بن أبي طالب في أعرابي.
الجواب على هذه التهمة:
وهذا وأمثاله يرد عليه بأمرين:
الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب لم يكذبه إنما أراد:
١ - أن يتثبت من جهة.
٢ - وإلى جانب التثبت خاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يجترئ الناس على سنة الرسول ﷺ فأظهر لهم القوة حتى يحتاطوا لأنفسهم عند البلاغ فلا يبلغ أحد إلا وهو واثق مما يتكلم به، هذا بدليل أنه قبل خبر الواحد في مرات أخرى من ذلك أنه قبل خبر الواحد في إملاص المرأة.
- ثم إن الرسول ﷺ قد اعتمد خبر الواحد، فكان يرسل رسولا واحدا بكتابه، وما أدرى أولئك أن هذا صادق في أن هذا كتاب الرسول عليه الصلاة
[ ٢٩٠ ]
والسلام، وليس عندهم بصمة له، ولا عندهم صورة لخاتمه.
ما الذي يدريهم بأن دحية الكلبي رسول رسول الله ﷺ؟
وكيف لزمهم البلاغ؟
وكيف أصيب كسرى بعذاب من عند الله حينما مزق الكتاب؟ كيف لزمتهم الحجة؟
فالرسول ﷺ لم يرسل الواحد؛ إلا وهو يعتقد أن الحجة تقوم به، وهذا أمر معلوم بالضرورة من إرسال الرسول ﷺ أفرادا إلى جهات متعددة لنشر الدعوة وإقامة الحجة، فأرسل معاذ بن جبل ﵁ ليقضي، ويكون أميرا في اليمن، وأرسل عليا ﵁ وأرسل أبا موسى الأشعري ﵁.
القصد: أن إرسال الواحد من الرسول ﷺ قد تكرر مرات، وهو لا يرسله إلا إذا كان يعتقد أن الحجة تقوم به، وأن خبره يجب أن يصدق.
والمهم فيه أن يتخيره عدلا، أمينا، صادقا، يقوى على البلاغ.
وليس من المهم أن يكون عددا بدليل أنه أرسل أفرادا إلى دول، وليس إلى أفراد، وفي أصل الدين وهو العقيدة وليس في الفروع فقط.
فهذا بيان من النبي ﷺ يحتج به على قبول خبر الواحد، ضد هؤلاء الذين يتهمون الراوي إذا كان واحدا، ويردون خبره وحديثه وإن توافرت فيه الشروط التي توجب قبوله وهي:
- أن يكون عدلا في دينه، ضابطا في نقله.
[ ٢٩١ ]
- مع اتصال الإسناد.
- ومع عدم مخالفة الرواي من هو أوثق منه.
- ومع عدم الوقوف على علة قادحة يرد بها الحديث.
هذا العمل من الرسول ﷺ يرد عليهم، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ قبل خبر الواحد عدة مرات، فلماذا يتمسكون بهذه القصة، ولا يتمسكون بغيرها وغيرها أكثر منها.
الأمر الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁:
عمر بن الخطاب ﵁ كان عنده قوة في التثبت وكان يجتهد ويستوثق أكثر، لا لأنه متهم لمن استوثق في خبره، كما جاء في حادث التحقيق مع سعد بن أبي وقاص ﵁ لما كان -في العراق- أميرا وقاضيا وقائدا للسرية، وإماما في الصلاة وخطيبا في الجمعة، اشتكاه واحد من العراقيين إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه كتابا؛ يقول فيه: "إنه لا يخرج بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحسن الصلاة"، فأرسل شخصا يحقق في الموضوع، مع أنه واثق من سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن لا يريد الفتن والقلاقل، ويريد أن يستوثق أكثر، وفعلا حقق داخل المساجد ومر على الناس هنا وهناك، فكلهم يثنون خيرا على سعد بن أبي وقاص ﵁، إلا المكان الذي فيه بؤرة الفساد والرجل الذي بلغ فانتصب له، فحكى نفس الكلمة وسعد يسمع، فقال: "اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأدم فقره، وأكثر عياله، وعرضه للفتن".
[ ٢٩٢ ]
أربع دعوات نظير أربع تهم وجهها الرجل إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فطال عمره، وكثر عياله، ودام فقره، وكبر في السن حتى صار وهو يمشي في الطريق ينظر إلى النساء بعين خائنة، وقد سقط حاجبه على عينه، فيقال له: ما بك وقد شبت؟ فيقول: مسكين، أصابتني دعوة سعد.
أقول: عمر بن الخطاب [لما استخلف ستة] حينما طعن وأيس من أن يبقى، فقالوا له: استخلف، فقال: لا أحملكم حيا وميتا، ولما ألحوا عليه استخلف ستة يختارون من بينهم خليفة، واستجاب لهم في الجملة، ثم جعل من الستة سعدا ﵁، ثم قال: اعلموا أني لم أعزله لشكي فيه ولا اتهاما له، ولهذا رضي به خليفة باختيارهم إياه، ثم إذا لم تصبه الخلافة نصحهم بأن يستشيروه، وأن يرجعوا إليه فيما يبرمون من أمور الدولة.
فها يدل على اتجاه عمر ﵁ في قبول الآحاد.
والقصد أن هذا جواب اعتمادهم على طلب عمر من أبي موسى الأشعري ﵄، أن يأتيه بآخر يثبت أن الرسول ﷺ قال هذا الحديث.
وأسأل الله أن يوفقني، وإياكم لما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا بالعلم النافع، وأن يجعل لنا بصيرة في إصابة الحق، وأن يوفقنا للعمل بما علمنا، فإنه مجيب الدعاء.
[ ٢٩٣ ]