القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها
وهؤلاء هم الذين يحملون ذلك النوع من الأحاديث على غير ظاهره وهم يسلكون هذا المسلك في كتاب الله جل شأنه أيضا، ويتأولون كثيرا من النصوص على غير ما دلت عليه من ذلك:
١ - نصوص آيات الأسماء والصفات ونصوص الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وغيرها من آيات الأسماء والصفات.
٢ - وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر، وسؤال القبر، وعذاب الأبدان: يحملون العذاب على عذاب الأرواح، وكذلك بعث الأجساد يحملونه على بعث الأرواح.
٣ - وأحاديث عروج النبي ﷺ ببدنه إلى السماء، وإسرائه من مكة إلى بيت المقدس ببدنه، ويقولون هذا إسراء بالروح، وعروج بالروح؛ تحكيما للسنن الكونية، والعادات المألوفة في الخلق، فإن الإنسان لا يسير تلك المسافة في جزء ليلة، ولا يعرج إلى السماء السابعة في جزء ليلة.
ويرد على هؤلاء بأن الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم
[ ٢٨٤ ]
في المعجزات باطل إذ أن الأنبياء جاءوا بخوارق العادات، فخوارق العادات بالنظر إلى الأنبياء والمعجزات الكونية والسنن الكونية التي خص الله بها الأنبياء، هذه تعتبر عادية بالنظر لخصوص الأنبياء، وإن كانت خارقة للعادة وغير مألوفة بالنظر لغير الأنبياء، فلماذا تقيسون الأنبياء بما أوتوا من الله على الأفراد العاديين؟ هذا قياس باطل، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن الأنبياء يختلفون عن غيرهم في جريان خوارق العادات على أيديهم معجزة لهم.
وحادث الإسراء قد ثبت في القرآن، فتأويلهم لا يكون تأويلا لحديث الإسراء، وإنما هو تأويل -أيضا- للقرآن، القرآن جاء فيه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾.
ثم إن كثيرا من النصارى، يعتقدون في عيسى أنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، يبرئه بإذن الله، وأنه كان يصور طيرا من الطين فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأبرص بإذن الله، وليس ذلك بطريقة علاج؛ فهو لم يفتح مستشفى، إنما هي خوارق عادات.
وكذلكم اليهود يؤمنون بخوارق العادات، فما الذي جعل خوارق العادات
[ ٢٨٥ ]
لموسى بانفلاق البحر، ونجاة موسى ومن معه إلى الشاطئ الآخر، وجعل الممر يابسا اثني عشر طريقا على عدد الأسباط، حتى لا يتنازع سبط مع سبط جعلها يبسا يمرون في هذه الممرات دون أن يغرقوا، والماء متماسك بدون حواجز، هذا سلب لخاصية الماء، معجزة لموسى وإكراما له ولمن معه حيث أنجاهم بإذنه ﷾، ثم ما جعله نجاة لموسى ومن معه جعله نكبة ودمارا وهلاكا لخصومه وأعدائه.
إن الكفار من اليهود والنصارى يعترفون بخوارق العادات وبهذه المعجزات، والعرب يؤمنون بإبراهيم ﵇، وبأن الله نجاه من النار حين ألقي فيها، فما الذي يجعلهم يؤمنون بسلب الله خاصية النار حتى تكون بردا وسلاما على إبراهيم، ولا يؤمنون بالإسراء بمحمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به إلى السماء السابعة؟
أ - هؤلاء الذين يؤولون الإسراء والمعراج بأنه روحي أو ينكرونه بالكلية عندهم شبهات فيقولون:
١ - هذه السرعة إلى هذا الحد تمزق البدن؛ لأن احتكاك البدن بالهواء الذي في الجو يولد نارا؛ فيحترق.
٢ - كذلك الصعود لأعلى بهذه السرعة يولد نارا؛ فيحترق البدن، وأي شيء آخر إذا صعد إلى أعلى حتى إذا لم يكن هناك هواء ينفجر ويتمزق؛ لأن الضغط الخارجي على جلده وعلى جسمه من جميع الجهات بالهواء فقد، فينفجر.
ب - يقولون في الطبقات التي لا هواء فيها: الذين يصعدون في هذه الأيام ويريدون القمر، يتزودون ويأخذون لأنفسهم هواء، ويأخذون وقايات من هنا ومن هناك، والعرب ما كان عندهم هذا الاختراع.
[ ٢٨٦ ]
فكيف صعد الرسول ﷺ إلى أعلى؟ وكيف تغلب على الجاذبية الأرضية؟ وكيف لم يثبت على الجاذبية التي فوق جاذبية الكواكب (المجموعة الشمسية وأمثالها)؟
وكيف خلص من الجاذبية الأرضية، ولا أجنحة له، ولا طائرة ركبها؛ إنما هو براق؟!
هذه شبهة يوردونها على الإسراء، ويوردونها على المعراج وقد ألف بعض أهل السنة في هذا تأليفا يرد فيه على أولئك منهم الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي له رسالة صغيرة في الإسراء والمعراج ذكر فيها جميع الشبه التي ترد على الإسراء والمعراج سواء كانت من جهة الحديث أو كانت من جهة السنن الكونية، فالرد عليها واحد.
والرد: أن خوارق العادات في معجزات الأنبياء سنن تشبه السنن العادية في حياة الناس العاديين فهم في معجزاتهم يسيرون في طريق كوني عادي بالنظر لهم؛ كما أن الناس يسيرون على سطح الأرض سيرا عاديا، وكما أن الطيور ترتفع بأجنحتها ارتفاعا وصعودا عاديا فالرد واحد، وهو أن هذه المعجزات من خوارق العادات التي أجراها الله جل شأنه على أيدي رسله عليهم الصلاة والسلام.
والموضوع في ذاته طويل إذا درس أصله:
١ - من جهة إثبات وجود الله.
٢ - إلى جانب إثبات حاجة العباد والمخلوقات إلى موجد.
[ ٢٨٧ ]
٣ - إلى جانب وحدانية الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، وفي تشريعه.
٤ - إلى جانب حاجة البشر إلى الرسالة.
٥ - وإمكان الوحي.
٦ - ثبوت الوحي.
٧ - وثبوت الرسالة.
فالأمر يحتاج إلى إثبات هذا كله، وهو عبارة عن مقرر توحيد طويل يدرس في سنوات، وأنا أتكلم في دائرة محددة في "شبهات حول السنة".