لقد كان للشيخ ﵀ موقف من تأليف الكتب في هذا العصر لا يوافقه عليه أغلب العلماء، فقد كان يرى أن تصانيف السلف فيها الكفاية، وأنه لا حاجة للمزيد عليها، وأن الأولى أن تنصرف الهمة إلى دراسة كتب السلف، وتدريسها بدلا من الانشغال عنها بمؤلفات المعاصرين، ولعل عذر الشيخ في ذلك أن أكثر المؤلفات في هذا العصر قليلة القيمة لا تعدو أن تكون تكرارا لكلام السابقين، وليت هذا التكرار يسلم من التشويه، والتحريف، لكن لا ريب أنه ظهر في هذا العصر من المؤلفات العظيمة ما كانت المكتبة الإسلامية تفتقد إليه، منه ما هو أبحاث في مسائل عصرية تحتاج إلى تخريجها على أشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي، ومنها ما هو اختصار، أو تهذيب لكتاب من كتب السلف ييسر تحصيل الفائدة منه عند أكبر عدد، ومنه ما هو شرح يحل غوامض كتب السلف التي يتعذر على أكثر المبتدئين فهم عباراتها، ومنها أعمال موسوعية تجمع شتات ما كتبه عالم في مكان واحد، أو تجمع شتات ما كتب عن مسألة يثور حولها الجدل في مكان واحد، ومنها ما هو تكميل لعمل بدأه أحد السلف ولم يكمله لعذر ما، إلى غير ذلك من فوائد التصنيف وهي كثيرة جدا، ولكن على كل حال فهذه كانت وجهة نظر الشيخ، وقد أخبرني الشيخ أنه لا يحب كتابة كلامه، وأنه استغنى عن كثير من كتبه، وأنه لا يكتب عليها من الهوامش إلا القليل، وكان يقول لي: صاحب الكتاب خير من صاحب الكتب، وكثرة الكتب عند الرجل علامة على جهله يقصد أن الذي يدرس كتابا موسعا في الفقه مثلا ويظل دائما يكرر قراءته ودراسته وتدريسه حتى يحفظه خير من الذي يشتت نفسه في كتب كثيرة لا يتقن شيئا منها. والله أعلم بالصواب
[ ١٢١ ]
يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
أما التأليف فلم يكن يرغب فيه، ولا يحب الكتابة في أي فن من الفنون، بل يرى أن هذه الكتب والمؤلفات الحديثة لا فائدة فيها، فيكتفي فيما يكتبه بما كتبه وجمعه العلماء السابقون حيث أنهم تطرقوا إلى كل فن، وأوضحوا ما يحتاج إلى توضيح، فمن جاء بعدهم لا يستطيع أن يضيف إلى علومهم زيادة، وأن المتأخرين إنما توسعوا في الكلام بما لا فائدة فيه، وكان ينهي عن الانشغال بكتب المعاصرين التي كتبوها في الأصول، أو التفسير، أو الأدب، والفقه، ونحو ذلك، حيث إنهم لا يزيدون على من سبقهم، ومع ذلك فقد أشرف على رسالتي في أخبار الآحاد التي قدمتها لنيل درجة الماجستير، وعلى رسالة الدكتور عبد الله ابن عبد المحسن التركي وغيرهما، وكان يولي التلميذ توجيهات، ودلالة على المواضيع، وأماكن البحث، ونحو ذلك مما يدل على قدرته على الكتابة لو أراد ذلك فهو من حملة العلوم المتعددة، وأي فن يتطرق إليه يوسعه بحثا. فرحمه الله وأكرم مثواه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
ويقول الشيخ مناع القطان:
تميز الفقيد بتأصيل المسائل العلمية وتحليل فروعها، وتحرير مواطن الخلاف فيها، والترجيح السديد بين الآراء المتعددة، ولم يكن يميل إلى تأليف الكتب مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ويفضل أداء العلم تدريسا وبحثا، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كثيرا من الأبحاث التي يرجع إليها طلبة العلم وينهلون من معينها العذب.
له من المؤلفات (^١): مذكرة في التوحيد، وتحقيق وتعليق على كتاب
_________________
(١) وقد قمنا - بفضل الله - بجمع هذه المؤلفات وغيرها، وما ألقاه من محاضرات، وما سمعه منه كثير من تلامذته وسجلوه، كل ذلك في هذا السفر الجامع لمؤلفاته رحمه الله تعالى، وهو السفر الذي بين يديك.
[ ١٢٢ ]
الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، وتعليق على الجزء المقرر في التفسير من الجلالين لطلاب المعاهد العلمية.
ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
والعلماء نوعان: علماء ينعزلون عن الناس، ويتفرغون لكتابة الكتب والمصنفات، وعلماء يعنون ببناء النفوس، وتوجيه العامة وإرشادهم، وبالإجابة عن أسئلتهم وحل مشكلاتهم، وقد كان فقيدنا العظيم من النوع الثاني، وقد انتفع بعلمه وتوجيهه خلق كثير، وهناك عدد من مشايخنا كانوا من النوع الثاني وهم جبال من العلم، وكذلك في العصور السابقة كان أكثر العلماء من هذا القبيل، وأحسب أن فقيدنا كان يحمله على ترك التأليف عامل آخر وهو زهده في الشهرة والسمعة والمناصب.
وكان إذا رأى كتابا لأحد المحدثين ليس فيه صفة الأصالة ولا دقة ولا استيفاء قال: ياليته ما ألف! وياليته اقتصر على الانتفاع بما كتب الأئمة.
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
والشيخ في جبلته يؤمن بتخريج الطلاب، وتسهيل العلم الذي ورثناه عن الأسلاف دون حاجة إلى مزيد من التأليف. ولهذا نفع الله بدروسه وتلاميذه فكانت له في وسطنا العلمي بالسعودية بصمة متميزة تجمع بين المعقول والمنقول رحم الله الفقيد وجمعنا به في دار كرامته.
ويقول الشيخ زهير الشاويش:
الشيخ والتأليف: كان ﵀ يرى أن في ثروتنا العلمية التي تركها لنا الأجداد ﵏، ما يكفي وإذا كان ولا بد من مؤلف فيكون لسد الحاجات الطارئة علينا من أمور استجدت.
[ ١٢٣ ]
وقال لي مرة: يا زهير إن حسن إخراج الكتب وتحقيقها وحسن عرضها أفضل من التأليف.
ولذلك صرف جهوده إلى وضع المناهج للجامعات، والمعاهد، ورسم الخطط لها من غير أن يؤلف كتبا.
وقام على تحقيق كتاب «إحكام الأحكام» للآمدي.
وبحكم تدريسه الطويل كان عنده أمال: في التفسير، والحديث، وأصول الفقه … ما لو جمع لكان كتبا نافعة وفي تعليقه على رسائل الدكتوراه التي أشرف عليها - ولعلها بلغت المئات - العلم الغزير النافع.
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
وكان يخبر عن نفسه في أكثر من مناسبة بأنه في الفترة الأخيرة ما كان يعتني باقتناء الكتب الكثيرة في بيته، وأنه يكتفي باقتناء عدد محدد من الكتب المنتقاة في كل فن من الفنون يرجع إليها عند الحاجة، ويؤكد بأنه لا يوجد لديه مكتبة بالمعنى المتعارف عليه بين طلاب العلم.
وكان له رأي في التأليف يذكره عندما يقال: لم لم تؤلف في العلم الفلاني من علوم الشريعة؟! فيقول: نحن لسنا في حاجة إلى التأليف بقدر ما نحن في حاجة إلى الاطلاع على المؤلفات التي تزخر بها المكتبات، وإن كثيرا من التأليف الحديثة في علوم الشريعة، واللغة العربية ما هي إلا معلومات معادة وفي المكتبة ما هو أصل منها.
ويقول الشيخ حمد الجنيدل:
وعندي من إملائه ما يزيد عن مائة ورقة من التفسير كتبتها بقلمي في أثناء تدريسه لنا في المعهد العالي للقضاء اعتبرها أنفس ما لدي في مكتبتي الخاصة.
[ ١٢٤ ]
ولعل الله أن يسهل لنا إخراجها وطبعها.
قلت: ومما يبقى من آثار الشيخ (^١):
١ - تعليقات على تفسير الجلالين من أول سورة غافر إلى آخره.
٢ - وتعليقات على العقيدة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٣ - وعلى التدمرية أيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ - وعلى الرسالة التبوكية للإمام ابن القيم.
٥ - وله حواش نفسية على ألفية العراقي في المصطلح.
٦ - وله بحث كبير في نحو ١٥٠ صفحة عن البورصة كان قد قدمه لهيئة كبار العلماء.
٧ - وله مذكرة في التوحيد (طبعت).
٨ - وله تعليقات مطبوعة على شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.
٩ - وله مقدمة وتعليقات على كتاب الإحكام للآمدي.
١٠ - وله رسالة شبهات حول السنة.
١١ - وله رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله، وقد طبعت الآن بدار الفضيلة بالإضافة إلى فتاويه الخاصة المتناثرة عند تلاميذه ومحبيه وهذه الأشياء تحت الطبع بدار الفضيلة للنشر وفقهم الله.
وقد علمت أن دار الفضيلة للنشر بالرياض جمعت مؤلفات الشيخ ونسخت أشرطة التسجيل المحفوظة بصوته، ولديهم كتب للشيخ، وفتاوى ورسائل جاهزة للطبع الآن.
ويضاف إلى هذا كله كما أسلفنا أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ كان واحدا من أربعة علماء هم أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث، والإفتاء اشتركوا في إصدار آلاف الفتاوى وعشرات الأبحاث القيمة التي لا تقدر لنفاستها بثمن.
_________________
(١) وله رسالة «الحكمة من إرسال الرسل».
[ ١٢٥ ]