كان الشيخ ﵀ رحيما بطلابه مشفقا عليهم يسعى في مصالحهم ويريد الخير لهم عملا بقوله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الله. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (^١).
وطالب العلم هو وصية رسول الله ﷺ فلذا صار دأب العلماء المخلصين العاملين الاحتفاء بطلابهم والحرص على إفادتهم وتعلميهم مستحضرين قوله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم﴾ (^٢).
١ - يقول الشيخ مناع القطان:
كان يزن طلابه بميزان دقيق في الجوانب المتعددة، ولا يخفي حبه لمن يتوسم فيهم الخير. فيعاملهم - وهم بمنزلة أبنائه- معاملة الأخ الأكبر لإخوانه الصغار.
٢ - ويقول الشيخ صالح السدلان:
ولا تكاد تجلس معه قليلا من الوقت إلا وتخرج بفائدة علمية، أو أدبية، أو خلقية .. وأعرفه لا يحب الكلام في أحد كما تميز ﵀ بوضوح العبارة، ولم أر مدرسا مثله في إيصال المعلومات وقلة الحشو ..
ولم يكن يدرس مادة إلا وأكملها وكان ﵀ من المفيدين في التدريس وغير المخوفين في الامتحانات ..
وكان ينصف الطلاب على مستوى الدرجات العلمية ومن شدة دقته في
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥/ ٢٣١)، رقم (٤٩٤١) والترمذي (٤/ ٢٨٥) رقم (١٩٢٣، ١٩٢٤).
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٤.
[ ١٠١ ]
التصحيح لم يكن يساوي بين طالبين بدرجة واحدة، وكان يتميز بالثقة وقوة الإرادة.
٣ - ويقول الشيخ صالح الأطرم:
وقد اشتهر الشيخ عبد الرزاق بحبه للنفع وبذله للنصح، فهو المستشار الناصح لكل من استشاره من مسؤول أو من سائر الأفراد، وكان ثاقب النظر عارفا بطلابه واتجاهاتهم، من يصلح للقضاء أو للتدريس في حقول التعليم أو في الوظائف الإدراية، وكان حريصا على تأهيل من يتولون المسؤوليات من قضاء وتدريس وأعمال إدارية.
ومما استحضره من نصحه لما اقترح من اقترح اختبار نصف العام جاءت مشكلة المكفوفين فحل المشكلة بأن يختبروا شفويا فكأن المكفوفين لم يرغبوا، فما زاد على كلمة واحدة وهي قوله: إنه أرفق بكم؛ فليس كل واحد سيجد كاتبا وبعد خروج النتيجة حصل الرضا فأدرك المكفوفين نصح الشيخ.
ومن نصحه لي شخصيا لما درست السنة الأولى في المعهد العالي للقضاء لم أدخل الاختبار فغلظ علي اللوم فاعتذرت بعدم المذاكرة، فقال لي: ادخل الاختبار وأجب بما عندك، فلم أفعل، ولما بدأت الدراسة في العام الثاني بالمعهد العالي للقضاء أعاد علي النصح بمواصلة الدراسة فأبديت الرغبة واستشرت الشيخ عبد الرزاق عمن أذاكر معه، وذكرت له شخصا، فقال: اعزم على مواصلة الدراسة، وأنا أعرف من يناسبك وتناسبه في المذاكرة، فحقق ما قال غفر الله له وجزاه الله عني والإسلام والمسلمين خيرا، وكان نصحه مع كل واحد ولكني ذكرت نموذجا مما يتصل بي.
٤ - ويقول الشيخ حسن محمد إسماعيل أحد تلامذه في المعهد الأزهري بالأسكندرية ١٣٦١ هـ.
وأمسكت بالقلم للكتابة وفكرت من أين أبدأ، ورأيت أن من الواجب أن
[ ١٠٢ ]
أكتب من أول يوم تقابلت فيه مع الشيخ عندما ذهبت إلى المعهد لتقديم أوراقي وإذا بفضيلة الشيخ يقدم لنا أسئلة شفوية لاختبار قدراتنا فأثنى على بعضنا، وقال للمسؤل خذ منهم فورا ولا داعي لأن يعودوا غدا لأن الوقت كان قد انتهى، فشكرنا له حسن صنيعه وكيف أنه عاملنا هذه المعاملة الطيبة.
٥ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري حاكيا بعض ذكرياته عندما كان طالبا بالمعهد العالي للقضاء، والذي كان الشيخ عبد الرزاق مديرا له، ومدرسا به: وقد زاملت في المعهد من هو في دور مشايخي، وما دام التغابن في العلم من باب التنافس المحمود فما غبنني إلا جبهات وكتل من العقل البشري جاءت إلى المعهد بعدي وتخرجت قبلي بسنين، ومنهم من كان أول ممتازا منذ بدأ إلى انتهى مثل أصحاب المعالي الدكاترة: عبد الله التركي، وحمود الفايز، وعبد العزيز الربيعة.
جئت إلى المعهد وكان الشيخ عبد الرزاق يكن لي ذكريات حب - وإعجاب كما يفرح الأب بابنه النجيب، إلا أنه وجدني على غير عهده، إذ وجد شيئا من الأناقة في الملبس والمظهر مع توسع الأدباء والظرفاء فلم يغسل يده مني لأنه يحس عندي عناصر من التأصيل الشرعي، ولم يفرح بي كما يفرح بنجباء تلامذته الذين لا يزالون على سمتهم.
وقد فضحتني الصحافة أو فضحت نفسي بها بشيء من الترطيب الفني حيث إنني لم أبال بمشايخي في مقدمتي لكتيبي نظرات لاهية، وكان إذا رآني وأحس بأن الساحة خلية من سامع رمى كليمة من مثل قوله: «يا أبا عبد الرحمن لا تسقط الزنبيل».
كأنه يريد أننا نريد رفعتك، وأنت تأبى إلا أن تتدلى.
[ ١٠٣ ]
وعندما كنت طالبا في المعهد كنت أحمل شيئا من الصلف الأبي والصحفي أمام جهابذة العلم، وأحضر فصول الدراسة للاعتداد بنفسي أكثر من الاستفادة من مشايخي.
وقد نغصت على مشايخ لي من أمثال البجيري، والدسوقي إلا أن الشيخ عبد الرزاق لم يترك مجالا لفضولي مثلي لأنه يأسرني فكرا، ووجدانا، ولغة إذا تحدث فأصغى للدرس وأستفيد على الرغم مني. ومن سخافاتي أنني أحضر للآية التي سيفسرها من أكثر من تفسير لأستدرك عليه شيئا فاته فإذا شرع بدرسه تبخر كل شيء في جعبتي، لأنه يتناول الموضوع تناول الخاصة من العلماء الذين جمعوا بين الحفظ والذكر فكانت مادته دسمة، وكان قديرا على التوصيل لأنه كان جذابا ومغريا، وما سمعت منه قط كلمة مؤذية ولكنه كان يفرض هيبته. وكان احترام الطلاب له تلقائيا وبشكل عجيب.
وانتهيت من المعهد بدرجة مقبول، وكانت هذه الدرجة إنقاذا منه لي وقد صرح أمام لجنة المناقشة أن انتشالي تقديرا لي وليس لبحثي إذن لم أنل من الشيخ عبد الرزاق شهادة علمية، وإنما فزت منه بمنهج تربوي تعليمي كريم، فعندما تأزمت لشيخي البجيري ﵀، وتولى الإشراف على فترة قليلة ريثما أعادني إلى مشرفي الأول تخلقت منه بخلق علمي، فكنت ألخص أقوال بعض العلماء بفهمي وأسلوبي فيطالبني بالتنصيص ثم يستعيد النص مني مرارا حتى يبين لي أن ما فهمته ولخصته كان فهما خاطئا.
وأحيانا أنقل نقلا عن عالم ثم أحيل إلى أقوال آخرين ظانا أن كلامهم كان واحدا فيطالبني بالتنصيص ثم يظهر لي فروقا دقيقة يتضح بها أن كلامهم مختلف وليس واحدا. أ. هـ.
[ ١٠٤ ]
الفصل الثالث عشر زهده وورعه
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ متواضعا زاهدا في متاع الدنيا ومناصبها، لا يغشى منازل الوجهاء والأغنياء إلا إن دعي، وكان يتعفف إن حضر ولا يقول إلا ما يرضي ضميره، ولعل زهده هذا هو السبب في عزوفه عن إلقاء المحاضرات وحضورها. وكان يبذل جاهه في خدمة الناس الصالحين ومعونتهم، وكان لا يرد صاحب حاجة يستطيع أن يقضيها له.
٢ - ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:
كان شديد الزهد في أعراض الدنيا يلبس الخشن من الثياب في آخر حياته ويرتاح لذلك ويعلله بأنه يناسب بدنه صحيا.
٣ ويقول الشيخ يوسف المطلق:
ولقد كان مثالا للإخلاص والقدوة الحسنة في زهده وورعه.
٤ - ويقول الشيخ مناع القطان:
وقد عاش الفقيد متقشفا زاهدا بعيدا عن المظاهر العامة بمنأى عن أضواء وسائل الإعلام.
٥ - ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
إن فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي يتصف بصفات يندر أن تجتمع في شخص: غزارة العلم، ورجاحة العقل، والزهد في الدنيا ومظاهرها، وحب
[ ١٠٥ ]
الخير للآخرين، وبذل جاهه وماله في ذلك.
٦ - ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
والبرهان على أنه ليس طالب مجد دنيوي أنه ما التمس سبيلا لازدياد كسب مادي غير رويتب تلقاء عمله الوظيفي الذي كرس له كل وقته وما أكثر الكسب المادي لو أرادها.
وبعد عن الإعلام والإعلامين بعدا لا هوادة فيه، وما عرفت من الشيخ عبد الرزاق حياة قط غير حياته بين طلابه في الصف، أو بين مريديه في بيته يقرأون عليه ويسألونه، أو في صميم عمله الوظيفي لدى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يذاكره في العلم ويستفتيه في واقع الطلبة الذين يرشحون للقضاء والمناصب القيادية. وكان ﵀ عمدة في ترشيح الخريجين وتزكيتهم.
ولما أحيل للتقاعد مرت سنون لم يراجع لاستلام استحقاقه، لأنه وقلة من المشايخ خارج المملكة يتورعون عن التقاعد من دون أن يكتب فتوى في ذلك، وإنما حمل نفسه على الأشد لأن كثيرين من السلف يتورعون عن بعض المباح وباب الزهد واسع عند الأسلاف.
[ ١٠٦ ]