لقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ من أئمة الدعوة السلفية وأعلامها في هذا العصر وكان ﵀ مدافعا عنها بيده ولسانه في جميع مراحل حياته.
فهو في مصر كان رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية التي أسست لنشر التوحيد الخالص، ومحاربة القبوريين، وأهل البدع، فكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ كما سبق أحد المؤسسين لهده الجماعة مع الشيخ حامد الفقي حيث كان نائبا له، ثم رئيسا للجماعة من بعده.
وما بقى من آثار الشيخ عبد الرزاق المكتوبة كلها يشهد له بصفاء عقيدته في جميع أبواب الاعتقاد، فمن ذلك حاشيته على تفسير الجلالين التي نبه فيها إلى ما وقع في الكتاب من تأويلات أشعرية، وحواشيه على التدمرية، والحموية، والتبوكية وهي تحت الطبع الآن يظهر منها بجلاء أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ كان يسير على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وعلى منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏، وهو المنهج السلفي القويم الحري بالاتباع.
وقد شهد للشيخ بسلفيته كل من عرفه من علماء عصره وسوف أنقل لك بعضا من أقوالهم في ذلك:
يقول الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم:
كانت عقيدة الشيخ عبد الرزاق في أسماء الله وصفاته وتوحيد العبادة عقيدة السلف الصالح فيفسر «لا إله إلا الله» بلا معبود بحق إلا الله، وهذ التفسير هو الحق. وفي الأسماء والصفات كان على طريقة السلف الصالح فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١١.
[ ٧٢ ]
وكان كثيرا ما ينبهنا على دقائق ولطائف، فمن ذلك أن أحد مدرسي التفسير أثنى على تفسير الفخر الرازي، وكان عند أحد الكتبيين في الرياض منه نسختان، فسارعت لشراء واحدة وقرأت فيه ثم ذهبت إلى الشيخ عبد الرزاق وأثنيت على ذلك التفسير، وقلت له: لكني لم أسمع مشايخنا يذكرونه أو يقرؤونه على الناس، فقال لي بغضب: ألا تدري لماذا؟ ثم قال: ألا تعرف منهج مشايخك؟. وكنت إذ ذاك لم أسمع لفظة منهج، ثم قال: مشايخك مشايخ عقيدة سلفية، وتفسير الفخر الرازي فيه شوك لا يصلح أن يقرأ على العامة، ولا يصلح للمبتدئين في التعليم، فاستفدت من هذه اللفتة من الشيخ اختلاف المنهجيات وبيان المراد بها» (^١).
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
«لقد امتاز ﵀ عن غالب زملائه وأقرانه الذين درسوا في الأزهر وفي غيره من المؤسسات العلمية، بشدة متابعته لسلف الأمة الصالح، وتركيزه في آرائه وتدريسه على العقيدة الإسلامية الصافية، المرتبطة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ولقد كان يقوم كل بحث أو رأي في ضوء الأسس والأصول الصحيحة التي إلتزمها السلف الصالح، والأئمة الكبار حينما واجهوا الفلسفات المادية في الأصول والفروع» (^٢).
ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي:
«… ولقد كان ﵀ واسع العلم بمسائل العقيدة شديد التمسك بمذهب السلف الصالح مع المعرفة التامة بالملل والنحل المختلفة وأصولها التي
_________________
(١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.
(٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.
[ ٧٣ ]
تصدر عنها عالما بعوارها ومواطن دحضها.
لقد كان ﵀ شديد الإعجاب بشيخ الإسلام ابن تيمية كثير الرجوع إلى مؤلفاته، وكان مما سمعته منه قوله: «لم أر لدى أكثر المؤلفين في العصور المتأخرة جديدا بل تكرار لما ذكره من سبقهم سوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنك تجد في مؤلفاته الكثير من العلم مما لم يسبق إليه» (^١).
ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:
«وكان تغمده الله بالرحمة سلفي العقيدة، يدعو إلى الحق على بصيرة، وكان رئيس جماعة أنصار السنة في الإسكندرية، يوم أن كان في مصر» (^٢).
ويقول الشيخ مناع خليل القطان:
«… كان منهجه السلفي سمة بارزة فيه بأسلوب شائق جذاب يدعمه الدليل والحجة، ولا يمس أحدا بتجريح، مما جعل استجابة الناس له عن حب وقناعة» (^٣).
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
«… وتعرفت على بعض مراجعه في الدراسة، وإعجابه ببعض العلماء وبعض الأئمة في بعض الأمور، كان تلميذا مخلصا على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية قرأ إنتاجهما العلمي قراءة مكررة حتى وعى ما فيها عن قناعة وتشرب فقههما ومنحاهما في الاجتهاد واستقلالهما في أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية، وهو يظهر الإعجاب بهما ولا يخفى على مجالسه
_________________
(١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.
(٢) ترجمة خطية.
(٣) ترجمة خطية.
[ ٧٤ ]
تقديره لهذين الأمامين الجليلين، كما لا يخفي عليه إعجابه بحركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في الدعوة وحسن معالجته للمشكلات التي كانت تواجه دعوته …
ويظهر بجلاء احترامه وتقديره لكثير من علماء المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتهم الشيخان الجليلان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز في علمهما وعملهما وذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي وكان يثني عليه ثناء لعصره بحرا في علمه سديدا في توجيهه» (^١).
وليس أدل على صفاء عقيدته السلفية من أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كان يعهد إليه ببعض الكتب التي فيها مخالفات لمعتقد السلف طالبا منه أن ينبه على مواضع المخالفة.
وإليك صورة مكاتبة بين الشيخ عبد الرزاق، والشيخ عبد العزيز بن باز حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي حيث طلب الشيخ عبد العزيز من الشيخ عبد الرزاق تقريرا حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي، فأجاب الشيخ عبد الرزاق بما نصه:
_________________
(١) ٢٦/ ١٤١٥٣ هـ.
[ ٧٥ ]
(صورة التقرير)
[ ٧٦ ]
(صورة التقرير)
[ ٧٧ ]
«سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبناء على كتاب سماحتك رقم في// ١٤٠٤ هـ الذي تطلب فيه تقريرا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي.
قرأت الكتاب فوجدته موافقا للسلف في مواضع كثيرة ومخالفا لهم في مواضع أخرى، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة:
١ - يصف الله وأسماءه بالقدم، ويسميه بالقديم، كما يتبين مما تحته خط في الصفحات التالية ٦، ٢٠، ٢٢، ٣٧، ٦٠، ٦١.
٢ - استدل على حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث كسائر الأشعرية، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديما، كما يتبين ذلك بالرجوع إلى ما تحته خط في ص ٧.
٣ - تأول اسم الله - الرحمن - بالمريد لرزق كل حي في الدنيا، واسمه - الرحيم - بالمريد لإكرام المؤمنين في الجنة، وقال: «فيرجع معناها إلى صفة الإرادة التي هي صفة قائمة بذاته تعالى» ويعني بالإرادة - الإرادة الكونية الأزلية، لا الإرادة الدينية التي تعني المحبة، يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٥ - ١٩، وتأويل الإلهية بالقدرة على اختراع الأعيان.
٤ - ذهب في صفة الكلام إلى مذهب الكلابية، كسائر الأشعرية، فجعلها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ورد صفة الحكم المفهومة من اسم الله الحكم وقال: «وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة والآخر لواحد بالمحنة.
[ ٧٨ ]
فيكون من صفات فعله».
وقال مثل ذلك في اسم الله - الشكور - وفي اسمه العدل - يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٦.
٥ - فسر اسم الله - العلي - بالأعلى القاهر، وبالذي علا وجل عن أن يلحقه صفات الخلق وقال: هذه صفة يستحقها بذاته.
وتأول محبة الله عباده بإرادته رحمتهم وبمدحهم، وقال: فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام بمعنى الإرادة الكونية، والكلام النفسي، وقال: وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم فيكون من صفات الأفعال.
كما تقدم بيانه يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٧ - ١٩.
٦ - قال في اسم الله «المتعالي» هو المنزه عن صفات الخلق، وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون العالي فوق خلقه بالقهر» ا. هـ.
وهذا فرار من إثبات علو الله على خلقه بذاته ص ١٧ - ١٩.
٧ - بعد أن فسر أسماء الله الحسنى وذكر ما رآه فيها من احتمال ووجوه قال: «وهذه الوجوه التي في معانيها كلها صحيح، وربنا ﷻ، وتقدست أسمائه متصف بجميع ذلك، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا شبيه له في خلقه، ولا شريك له في ملكه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ا. هـ. ص ٢١.
٨ - قال في ص ٢١ أيضا: «فلله عز اسمه أسماء وصفات، وأسماؤه صفاته وصفاته أوصافه» ا. هـ.
فجعل أسماءه صفات، ومعلوم أن الإسم يتضمن الصفة، وأنها بعض مفهومه لا أنه الصفة.
[ ٧٩ ]
٩ - في ص ٢١ - ٢٢ قسم صفات الله، قسمين: صفات ذات وصفات أفعال، وقسم صفات الذات قسمين: عقليا وهو ما كان طريق إثباته أدلة العقل مع ورود السمع به، فإذا دل وصف الواصف به على الذات فالإسم عين المسمى مثل شيء، ذات، موجود، جليل، عزيز، عظيم، متكبر، وإن دل وصف الواصف به على صفات زائدة على ذاته قائمة به مثل حي، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلم، فالإسم في هذا لا يقال: إنه هو المسمى ولا أنه غير المسمى.
وأما السمعي فما كان طريق إثباته السمع فقط كالوجه، واليدين، والعين، وهذه أيضا صفات قائمة بذاته، لا يقال فيها: إنها هي المسمى ولا غير المسمى، ولا يجوز تكييفها، فالوجه صفة وليست بصورة، واليدان له صفتان، وليستا الجارحتين، والعين له صفة وليست بحدقة … إلى آخر ما ذكره في ص ٢٢ - ٤٤.
ولا يخفى ما في هذا من المخالفة للسلف من أهل السنة والجماعة، إذ فيه نفي تفصيلي، والسلف على خلافه، وإنما يمنعون الخوض في الكيف ويقولون: إنه مجهول أو غير معلوم، فيفوضون علمه إلى الله تعالى، كما يمنعون عموما الخوض فيما لم يخوضوا فيه نفيا وإثباتا.
١٠ - قال في صفات المعاني السبعة القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام: إنها زائدة على الذات قائمات بها، ليرد على المعتزلة، وقال: إنما قال النبي ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامة» (^١) على طريق التعظيم. ا. هـ. يعني أن الجمع للتعظيم لا لكون كلامه تعالى متعدد بل هو شيء واحد هو الكلام النفسي الأزلي، يتبين ذلك مما تحته خط في ص ٢٥ حتى ص ٢٩، وفي ص ٣٢ حتى ص ٣٧.
١١ - ذكر في الاستواء طريقتين: طريقة التفويض، وطريقة حمله على وجه.
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂.
[ ٨٠ ]
يصح استعماله في اللغة، وأتبع ذلك نفيا تفصيليا للكيفية في الاستواء وفي النزول وفي المجئ والإتيان .. إلخ ص ٤٤، وأحال في ذلك على كتابه. الأسماء والصفات.
١٢ - أحسن في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة بالأبصار، وفي إقامة الأدلة على ذلك، وفي رده على منكري رؤيته تعالى، ولكنه يرى أن الله ﷿ لا يرى في جهة، بل يراه الراءون في جهاتهم كلها، لأنه يتعالى عن جهة ص ٥١.
١٣ - قال في أفعال العباد: إنها كسب لهم على معنى تعلق قدرتهم بمباشرتهم التي هي إكسابهم، ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها كما أراد غير مكتسبها والله ربنا خلقنا وخلق أفعالنا .. إلخ ص ٦٠، ٦١.
وهذا إلى القول بالجبر أقرب منه إلى القول بإثبات الاختيار للعبد في أفعاله.
١٤ - وفسر ما جاء في الحديث من أن «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» بأن المراد به كونه القلب تحت قدرة الرحمن (^١).
١٥ - أخطأ في تفسير آيات في المشيئة ص ٧١.
١٦ - ذكر كثيرا من الأحاديث ولم يبين درجتها من الصحة، والضعف، والمقام مقام الاستدلال في العقيدة، والجملة فالكتاب نافع، وفيه خير كثير، ويمكن التعليق عليه في مواضع الخطأ، أو التنبيه على ذلك في مقدمة له، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه
عبد الرزاق عفيفي
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه (٢٦٥٤)، وأحمد (٢/ ١٦٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ٨١ ]