يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
«وكان إذا تكلم في فن من فنون العلم ظن السامع أنه لا يحسن غيره، وأنه متخصص فيه وحده كان موسوعي المعرفة. كان محدثا كبيرا قل أن يخفى عليه حديث، وكانت له مقدرة متميزة في تخريج الحديث والحكم عليه، وقد ترى في بعض الأحاديث من الرأي الصحيح ما لا تجده عند غيره سواء في تحديد درجته أم في فهمه والوقوف على دلالالته.
وله عناية خاصة بكتب الرجال، وقد بلغ من عنايته أنه فقد جزءا من كتاب من كتب الرجال فكتبه بخطه وجلده، ولما رآه بعض الولوعين بحفظ آثار عظماء العلماء استهداه هذا الجزء فأهداه إياه بحضوري.
وكان مفسرا عظيما، وإن أنس لا أنس دروسه الرائعة في تفسير القرآن التي كان يلقيها في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم في دخنه في الرياض، وكنت ملازما لها، وذلك من فضل الله علي … لقد كان يغوص بين تلك المعاني العميقة في الآية ويذكر ارتباطها بما قبلها وما بعدها، ويصل بين تلك المعاني وبين حياة الناس، ويشير إلى أسرار البلاغة ونواحي الإعجاز فيها، وكان لا يرضى تأويل المتأخرين ولا المعاصرين المفتونين بحضارة الغرب الذين تزعزعت عندهم الغيبيات فراحوا يؤولون النصوص تأويلا متكلفا بعيدا.
وكان فقيها مجتهدا، وما كان يرضى التعصب لمذهب من المذاهب مع إحاطة بها إحاطة لم أر مثلها، بل كان يمشي مع الدليل. وقد تكونت لديه ملكة فقهية
[ ٦٧ ]
عظيمة.
وكان إذا سئل لا يتسرع بالإجابة، بل يسأل عن دقائق الموضوع المطروح حتى يستوعبه ويكون عنده تصور صحيح دقيق للموضوع ثم يجيب.
وكان أصوليا متبحرا في هذا العلم العظيم: علم أصول الفقه، واقفا على دقائقه، مطلعا على كتبه مستحضرا لما فيه، فإذا سألته عن كتاب من كتب الأصول ذكر لك خصائصه ومزاياه وطريقته، والمآخذ التي قد تؤخذ عليه، وقد كان معجبا بكتاب «المستصفى» للغزالي وبكتاب «الموافقات» للشاطبي.
وكان من كبار علماء التوحيد على مذهب السلف ﵏ يعرض القضايا الدقيقة فيه بأسلوب ميسر واضح، وقد كان ﵀ واقفا على كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذا العلم. ولقد استطاع أن يرد ما جاء في شرح الطحاوية وهو مقتبس من كلام ابن تيمية وتلميذه إلى مواضعه في كتبهما، وقد تضمنت طبعة المكتب الإسلامي الأخيرة للكتاب هذه الإحالات.
وكان في علوم العربية متمكنا، فقد كان في النحو مرجعا تراه يورد في حديثه القاعدة النحوية إذا اقتضاه التوضيح أن يوردها وكأنه من المتخصصين في النحو، وكان ذواقة للنصوص الجميلة وهذا يدل على موهبة بيانية أكرمه الله بها وعلى تمكنه من علوم البلاغة.
وكان في الكتابة ذا أسلوب متين جزل بليغ، لا يقل عن أساليب كبار الكتاب والأدباء، تتصف عباراته بالإيجاز، والإحكام، والبيان، والوضوح، والجزالة. ولدي عدد من رسائله الشخصية إلي وهي نماذج على ذاك الأسلوب العالي.
وكذا ذا بيان مشرق متدفق إذا تكلم أو درس، لا يتلعثم ولا يتوقف ولا يلحن. وكان مناظرا قوي الحجة مستحضر الدليل يحيط بأطراف الموضوع الذي يناقشه.
[ ٦٨ ]
وكان مدرسا ناجحا سواء كان درسه في الجامع أو في الجامعة، فلقد كان له درس أسبوعي في مسجد الشيخ محمد كما ذكرنا آنفا، ثم لما انتقل إلى بيته في شارع الخزان كان يؤم الناس في المسجد الذي يقابل بيته وكان يلقي بين الفينة والأخرى دروسا تأخذ بالألباب في روعتها وعمق معانيها وغزارة أدلتها.
وكانت إحاطته بمفردات اللغة العربية تكاد تكون إحاطة شاملة، فلقد كان يصحب القاموس المحيط، وقد حدثني أنه يجد متعة في قراءة مواده. والناس عادة لا يرجعون إلى القاموس إلا عندما يريدون معرفة معنى كلمة، أما الشيخ ﵀ فقد كان يقرأ فيه كما يقرأ أي كتاب من الكتب.
أما فهمه لعبارات الأقدمين في كتبهم فقد كان شيئا مدهشا حقا، وبعض العبارات بالغة التعقيد بسبب الرغبة عند هؤلاء المتقدمين في تحميل الألفاظ القليلة المعاني الكثيرة … لقد كان ينظر في العبارة العويصة نظرة فيحلها ويشير إلى مراميها ومقاصد كاتبها، على نحو لا تجده إلا عند قليل من أهل العلم.
ومهما يكن من أمر، فإني لا أستطيع أن أنقل للقراء صورة حقيقية لعلم الرجل الواسع في هذه الكلمة».
ويقول الشيخ عبد الله الحكمي:
«أقول: رحم الله الوالد الشيخ عبد الرزاق، فقد كان بحر علم زاخرا صدر عنه الكثير من طلبة العلم الشرعي، ولا سيما في هذه البلاد بخاصة.
كما كان في علم الفقه سريع الاستحضار للأحكام الشرعية محيطا بأدلتها عالما بقواعدها، وأصولها مدركا لأشباه المسائل ونظائرها سديد الرأي، صائب الاجتهاد، يفتي السائل على حسب حالته ومستواه من الجهل والعلم» (^١).
_________________
(١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.
[ ٦٩ ]
ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
«أما علمه فهو بحر لا ساحل له في أغلب العلوم التي يتناولها بالبحث والشرح، فلقد عرفته لأول مرة عام ١٣٧٤ هـ، وكان يزور بعض المشايخ كالشيخ عبد العزيز بن محمد الشتري، ونقرأ عليه في المجلس حديثا من أول صحيح البخاري فيشرحه شرحا موسعا بحيث يستغرق شرح الحديث الواحد أكثر الجلسة، وعرفته في أحد الأعوام يفسر سورة سبأ في مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فكان يبقى في تفسير الآيتين نحو ساعة أو أكثر، ويستنبط من الآيات فوائد، وأحكاما، وأقوالا، وترجيحات يظهر منها عظمة القرآن وما فيه من الاحتمالات والفوائد، ومما يدل على موسوعية الشيخ وسعة اطلاعه وكثرة معلوماته» (^١).
ويقول الشيخ الدكتور حمد الجنيدل:
«كان شيخنا - يرحمه الله - من العلم بمكان، وله طريقة متميزة في إلقاء الدروس، وتأثير عجيب على مستمعيه بأسلوب سهل متين، وعلم جم، وجوامع كلم، يتقن عدة علوم، من أبرزها: علم التفسير، والعقيدة، والفقه، وأصوله وعلم المنطق، وشيئا من علم الحديث، كان في علم التفسير أستاذا وفي كل ما أشرت إليه قمة يتمنى كل طالب علم أن يسمع له، وكان لا يدرس من كتاب بل له حافظة قوية جدا» (^٢).
ويقول الشيخ الدكتور صالح بن سعود آل علي - عضو مجلس الشورى-:
«… وكان ﵀ ذا باع طويل في علوم الشريعة، له القدح المعلى في تفسير وعلوم القرآن، وقل أن يوجد له نظير في التوحيد وعلوم العقائد والمذاهب
_________________
(١) الدعوة ١/¬٥/¬١٤١٥ هـ.
(٢) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.
[ ٧٠ ]
والملل والنحل. أما في علم أصول الفقه، فهو علم من أعلامه له في ميدانه اليد الطولى. وأما الفقه فإليه المنتهى» (^١).
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
«وكان هو والعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فرسي رهان ويظل لكل واحد منهما ميزته».
والشيخ له باع في المنطق والعقليات وعلم الكلام، وعلى علم ودراية بمواقع الضعف في كتب العقيدة التي تدرس خارج المملكة على أسلوب المتكلمين كالسنوسية. بل كان الشيخ ذا عناية بالنسفية قبل أن يصل إلى السعودية، إلا أن سماحته لا يتظاهر بعلمه، ولكنه إذا سئل، أو ناقش أو طلب منه الدليل والتأصيل كانت فتواه عن علم مؤصل لا يملكه إلا خاصة من الأسلاف جمعوا بين المعقول والمنقول، حديثا وتفسيرا، وأصولا ولغة ومنطقا.
وتعليقاته القليلة على بعض الكتب مثل الكتاب الفحل إحكام الآمدي في الأصول، كانت قليلة وكانت لمحة عالم (^٢).
ويقول الشيخ صالح الأطرم:
«درسنا الشيخ عبد الرزاق في معهد الرياض العلمي، وفي كلية الشريعة، وفي المعهد العالي للقضاء في التفسير، وفي توحيد العبادة، وفي العقيدة، وفي الفقه وفي البلاغة، وفي النحو، وفي أصول الفقه فما درس مادة إلا أبدع فيها» (^٣).
_________________
(١) عكاظ ٣/¬٢٨/¬١٤١٥ هـ.
(٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.
(٣) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.
[ ٧١ ]