لقد كان الشيخ ﵀ مدركا لما يموج به عصره من آراء واتجاهات بما يمكنه من الحكم الدقيق عليها، وله أسوة في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي كان يعرف من تفاصيل مذاهب خصومه من فلاسفة، ومتصوفة، ورافضة وغيرهم أكثر مما يعرفونه هم عن مذاهبهم كما يتضح هذا بجلاء لمن قرأ في كتبه.
فمن ذلك أني سألته عن رأيه في جماعة الإخوان المسلمين ورأيه في اتهام بعض قادتهم بأنهم كانوا من الماسونية فأجاب:
التشكيك في شخصية البنا والهضيبي غلط، فهذا ظن سوء ليس له أساس فهما ضد الماسونية، والعيب الموجود في الإخوان أنهم لا يمسون تفاصيل الدين، فكل حديثهم عن جمال الإسلام وسماحته، وهدفهم تجميع الناس على الإسلام لا على الماسونية، ولا يتصور أنهم يمهدون لتوجيه الحركة الإسلامية لأن حسن البنا ﵀ مات فهل كان يهدف إلى التوجيه بعد مماته؟ والإخوان هم الذين حاربوا اليهود تطوعا.
وسألته أيضا عن رأيه في منهج الدكتور عمر عبد الرحمن فأجاب:
منهجه ليس بسليم من ناحية الجرأة أكبر من القوة التي أعدها، وضررهم أكبر من نفعهم، وقد ذكر الله قاعدة ﴿إثمهما أكبر من نفعهما﴾ (^١) فعليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، ولا يجوز لهم تغيير منكرات يترتب عليها منكر أشد، الرسول ﷺ لم لم يقم الجهاد في مكة وأخره حتى ذهب إلى المدينة؟
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢١٩.
[ ٨٩ ]
لماذا عاهد جماعة من الأنصار في مكة على أن يحموه، وهاجر إليهم بناء على هذا العهد؟ هذا كله تمهيد لكسب القوة في التطبيق، وهاجر ليمنع الإثارة حوله، وليهدأ الجو حتى تتاح الفرصة للجهاد بالسيف، فنظام الإسلام أن الدعوة بالتدريج، والحالة في مصر الآن أردى من العهد المكي فالتبرج والسفور بالصورة الحالية في مصر، لم يكن في مكة قبل الهجرة، وكانت دعوة الرسول ﷺ في مكة باللسان لم يستعمل يده حتى خرج من مكة فالدعوة الآن في مصر يجب أن تكون باللسان.
١ - يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
لقد كان الشيخ ﵀ يعيش عصره، ويدرك بعمق شراسة الغزو الفكري والاستعماري للمسلمين، ويعرف التيارات الفكرية، والسياسية التي تسود العالم وتغزو بلاد المسلمين يعرفها تمام المعرفة، وهذه صفة لم تكن موجودة في كثير من علماء عصره.
وكان بعيد النظر، عميق الفكر، له جولات نقدية موجزة يدركها الواعي من جلسائه، ولا يذكر في مجلسه أحد بسوء.
وكانت معرفته بالرجال المعاصرين من الأعلام معرفة دقيقة، وكان حكمه عليهم حكما سديدا. يعرف أوضاعهم الاجتماعية وعادات بيئاتهم ومدى تأثرهم بذلك كله.
٢ - ويقول الدكتور حبيب بن مصطفى زين العابدين - وكيل وزارة الأشغال العامة بالمملكة.
أكتب اليوم عن بعض جوانب حياة الشيخ عبد الرزاق عفيفي التي عرفتها كتلميذ له، واكتشفتها من خلال لقاءات علمية عديدة جمعتني به، لقد كان - يرحمه الله - رحب الصدر، عميق الفكر، واسع المدارك، عالما بعصره وما يدور
[ ٩٠ ]
فيه، ولهذا كانت فتاواه وإجاباته عن أسئلة تلامذته أقرب للواقع والعصر الذي نعيشه، وكان يستشيره عدد من كبار علمائنا الأفاضل ويأخذون برأيه في المسائل المختلفة وخاصة تلك التي تمس التجارب والخبرات، والمسائل التي تتعلق بما ظهر في عصرنا، وعالمنا من أمور حديثه.
وفي جلسة حوار دارت حول تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي بينه وبين عدد من خبراء الاقتصاد الذين ينشدون السعي لتطوير النظام الاقتصادي الإسلامي، سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن إمكانات عديدة تسمح بالتدرج في تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي وعدم التشديد والتضييق أول الأمر.
فأجاب - يرحمه الله - بقوله: يجب ألا نكتفي بالأسئلة النظرية التي ليس لها أي مردود علمي. وأردف قائلا: لقد درسنا كثيرا من الأمور النظرية، بل قدمنا فيها الفتوى المناسبة بهدف أن نجد التطبيق العلمي لها، وإذا بها تتعثر لعدم وجود الدعم الكافي لها، أو أن الكثير تخطاها بفتاوى تجاوزت الحدود الإسلامية المقبولة.
[ ٩١ ]