١ - إمكان الوحي والرسالة
لا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر أن يختص واهب النعم ومفيض الخير -سبحانه- بعض عباده بسعة في الفكر، ورحابة الصدر، وحسن قيادة، وكمال صبر، وسلامة في الأخلاق؛ ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق وصلاح الكون رحمة للعالمين، وإعذارا إلى الكافرين، وإقامة للحجة على الناس أجمعين، فإنه -سبحانه- بيده ملكوت كل شيء وهو الفاعل المختار، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وهو على كل شيء قدير.
وآية ذلك: أنا نشاهد أن الله سبحانه خلق عباده على طرائق شتى في أفكارهم ومذاهب متباينة في مداركهم، فمنهم من سما عقله واتسعت مداركه واطلع من الكون على كثير من أسراره، حتى وصل بما منحه الله من ثاقب الفكر، ويسر له من التجارب إلى أن اخترع للناس ما رفع إليه من أجله أولو الألباب رؤوسهم إعجابا به، وشهادة له بالمهارة، وأنكره عليه صغار العقول، وعدوه شعوذة وكهانة أو ضربا من ضروب السحر، ولم يزالوا كذلك حتى استبان لهم بعد طوال العهد ومر الأزمان ما كان قد خفي عليهم فأذعنوا له وأيقنوا بما كانوا به يكذبون.
ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه فعميت عليه الحقائق واشتبه عليه الواضح منها، فأنكرت البديهيات، ورد الآيات البينات، ومنهم من انتهى به انحراف مزاجه واضطراب تفكيره إلى أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف
[ ١٧٣ ]
السفسطائية.
وكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفكار بضرورة النظر وبديهة العقل، ثبت التفاوت بينهم -أيضا- في قوة الأبدان وضعفها، وسعة الأرزاق وضيقها، ونيل المناصب العالية والاستيلاء على زمام الأمور وقيادة الشعوب، والحرمان من ذلك إما للعجز وإما للقصور أو التقصير وإما لحكم أخرى يعلمها بارئ الكائنات، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، وربما كشف الغطاء عن الكثير منها لمن تدبر القرآن وعرف سيرة الأنبياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.
فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم، وغير ذلك من أحوالهم لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع، ويستيقن أن الله ينبئ من شاء من خلقه ويصطفي من أراد من عباده: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾، ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾.
[ ١٧٤ ]
بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون أصل الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحا طيبة لوحيه، أو يختار نفسا طاهرة لتبليغ رسالته وهداية خلقه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعما منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه واتسعت مداركه فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلا؛ لأن يوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره -سبحانه- لتحمل أعباء رسالته.
وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة، وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك، قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾ الآيات إلى قوله: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين﴾ فانظروا كيف فروا من ميدان المناظرة إلى استعجال الهلاك، وطلبوا ذلك من نوح، فبين لهم أن ذلك إلى الله لا إليه، إن عليه إلا النصح والبلاغ المبين وإقامة الحجة والبرهان، وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾، فذكر
[ ١٧٥ ]
شبهتهم، ثم ردها بما آتاه من المعجزة الدالة على صدقه، وبنصره وإهلاكهم؛ فإن العاقبة للمتقين.
وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾، وقال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة إنما كان لبعث رسول إليهم من جنسهم.
ولو قال قائل: إن أئمة الكفر وزعماء الضلالة كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولا من البشر، غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وتمويها على الطغام من الناس وخداعا لضعفاء العقول، وتلبيسا عليهم خشية أن يستجيبوا إلى مقتضى الفطرة، ويسارعوا إلى داعي الدين ومتابعة المرسلين -لو قال ذلك قائل- ما كان بعيدا عن الحقيقة ولا مجافيا للصواب، بل بدرت منهم البوادر التي تؤيد ذلك وتصدقه، وسبق إلى لسانهم ما يرشد البصير إلى ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتى الرسل ما أوتوا دونهم، وأن ينالوا من الفضيلة وقيادة الأمم إلى الإصلاح ما لم ينل هؤلاء، قال تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾.
[ ١٧٦ ]
وقال: ﴿ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾.
هذا وليس بدعا أن يختار الله نبيا من البشر، ويبعث إليهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، بل ذلك هو مقتضى الحكمة وموجب العقل وما جرت به سنة الله في أنبيائه.
فإن الله سبحانه قد مضت سنته في خلقه أن يكونوا أنواعا مختلفة على طرائق شتى وطبائع متباينة، لكل نوع غرائزه وميوله، أو خواصه ومميزاته التي تقتضي الأنس والتآلف بين أفراده، وتساعد على التفاهم والتعاون بين جماعاته، ليستقيم الوجود، وينتظم الكون، فكان اختيار الرسول من الأمة أقرب إلى أخذها عنه وأدعى إلى فهمها منه وتعاونها معه لمزيد التناسب وإمكان الإلف بين أفراد النوع الواحد، ولو كان عمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إليهم ملكا رسولا، وقد أرشد الله إلى ذلك في رده على من استنكر أن يرسل إلى البشر رسول منهم، قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾، ولكن شاء الله أن يجعل عمار الأرض من البشر، فاقتضت حكمته أن يرسل إليهم من أنفسهم، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك ليكون أقرب إلى الوصول للغاية، وتحصيل المقصود من الرسالة فكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه، قال تعالى:
[ ١٧٧ ]
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾.
ولو قدر أن الله أجاب الكفار إلى ما طلبوا من إرسال ملك لجعل ذلك الملك في صورة رجل؛ ليتمكنوا من أخذ التشريع عنه والاقتداء به فيما يأتي ويذر، ويخوض معهم ميادين الحجاج والجهاد، وإذ ذاك يعود الأمر سيرته الأولى، كما لو أرسل الله رسولا من البشر، ويقعون في لبس وحيرة، جزاء وفاقا، قال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾.
ومن نظر في آيات القرآن، وعرف تاريخ الأمم تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسولا من أنفسهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾، وفي ذلك الرد الواضح على من زعم منافاة البشرية للرسالة ببيان سنة الله في رسله وحكمته في اختيارهم على نحو يكفل المصلحة وينتهي بالأمة إلى المقصود.
[ ١٧٨ ]