٥ - تنوع المعجزة مع بيان الحكمة في ذلك
آيات الأنبياء التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة وحجة قاطعة تخرس الألسنة وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التسليم والقبول.
ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره وبرز فيه قومه، وعرفوا بالمهارة فيه؛ ليكون ذلك أدعى إلى فهمها، وأعظم في دلالتها على المطلوب، وأمكن في الإلزام بمقتضاها.
ففي عهد موسى انتشر السحر، ومهر فيه قومه حتى أثروا به على النفوس، وسحروا أعين الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده وإن كان عالي الهمة قوي العزيمة، فكان ما آتاه الله نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدرة، وما يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله ذلك في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها ياموسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى﴾، ولهذا بهت السحرة وبطل ما جاءوا به من التمويه والتخييل وامتاز الحق من الباطل، قال تعالى في بيان ذلك في المباراة التي كانت بين موسى ﵇ والسحرة ﴿فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾.
[ ١٨٥ ]
وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم ﵇ برع بنو إسرائيل في الطب، فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه.
وفي عهد محمد ﷺ كان العرب قد بلغوا الغاية في الفصاحة وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم، حتى اتخذوا ذلك ميدانا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله ﵊، فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال إلى جانب ما كان من تأبيد إعجازه كان ذلك من الأدلة والآيات التي تدل على صدقه في نبوته ورسالته قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
[ ١٨٦ ]