٤ - الفرق بين المعجزة والسحر
كل ما لم تبلغه طاقة البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم فهو معجز، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصة، كبعض المسائل العلمية المشكلة، واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة ونحوها مما لا يقوى عليه إلا الخواص من الناس، كالغوص والسباحة وحمل الأثقال، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر.
والمراد من المعجزة: هذا الأمر الخارق عن سنن الله العامة في خلقه الذي يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقا له في دعواه وتأييدا له في رسالته مقرونا بالتحدي لأمته ومطالبتهم أن يأتوا بمثله؛ فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته.
أما السحر: فهو في اللغة كل ما دق ولطف وخفي سببه، فيشمل قوة البيان وفصاحة اللسان؛ لما في ذلك من لطف العبارة ودقة المسلك، ويشمل النميمة، لما فيها من خفاء أمر النمام وتلطفه في خداع من نم بينهما ليتم له ما يريد من الوقيعة، ويشمل العزائم والعقد التي يعقدها الساحر، وينفخ فيها مستعينا بالأرواح الخبيثة من الجن ليصل بذلك في -زعمه- إلى ما يريد من الأحداث والمكاسب.
ويتلخص الفرق بين المعجزة والسحر فيما يأتي:
أ - المعجزة ليست من عمل النبي وكسبه، وإنما هي خلق محض من الله على خلاف سننه في الكائنات، وقد طلب من محمد ﷺ آية، فقال بإرشاد مولاه: ﴿إنما الآيات عند الله﴾، وقال لمن استعجلوا ما توعدهم به من أمر ربه:
[ ١٨٣ ]
﴿ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين﴾. أما السحر فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها وعمل بها إلى مسبباتها، فليس خارقا للعادة ولا مخالفا لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها.
ب - المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة؛ لتكون آية على صدقه في دعوى الرسالة التي بها هداية الناس من الضلالة وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأبدانهم وأموالهم، والسحر خلق ذميم أو حرفة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس ويضللهم، ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة في خفاء، والناس عنه غافلون.
ج - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم عفيف عما في أيدي الناس يدعو إلى الحق وينافح عنه بقوة وشجاعة، أما الساحر فسيرته ذميمة ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل، ويسعى جهده في ستره خشية أن يفتضح أمره ويكشف سره فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.
د - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام وتفتح البلاد، ويكون العمران، والساحر آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب.
[ ١٨٤ ]