الحمد لله الذي هدى عباده لطريق الرشاد وأنقذهم بدينه من تيه الضلال والفساد، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أولي الفضل والسداد. أما بعد
فإن من فضل الله على المسلمين أن حفظ لهم الذكر، وأبقى فيهم في كل عصر ومصر علماء مصلحين يذبون عن الدين، ويدفعون بالحجج النيرات والبراهين الساطعات عن حماه عدوان الحاقدين، وسهام الشانئين، مصداقا لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (^١).
- ومن هؤلاء العلماء الأعلام في زماننا الحاضر العلامة الشهير والداعية الكبير الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى - الذي توفي من نحو سنتين، فقد كان له جهود مشكورة في تعليم الناس أحكام دينهم، والجواب على ما يرد إليه من الأسئلة، والرد على ما يبلغه من الشبهات التي يثيرها ذوو الأغراض الخبيثة والمقاصد المشبوهة.
- ومن آثاره الطيبة الحميدة ما يتضمنه هذا السفر النفيس الموسوم بـ «فتاوى ورسائل» والذي عرض فيه كثيرا من قضايا التوحيد، في مقدمة القسم الثاني من خلال رسالة علم التوحيد، وتحدث عن سبع مسائل في التوحيد، ثم تحدث في
_________________
(١) قال المباركفوري في مقدمة شرح الترمذي (١/ ١٤): قال القسطلاني وهذا الحديث رواه من الصحابة علي، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن سمرة، ومعاذ، وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني، وأبونعيم، وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد الطرق ويكون حسنا كما جزم بذلك ابن كيكلدي العلائي.
[ ١ ]
- ب -
الرسالة ومباحثها، ووجوب الإيمان بالبعث والنشور، وبيان شبهتهم في إنكار يوم القيامة، ثم تحدث عن الحكم بغير ما أنزل الله في رسالة نفيسة، كما تحدث عن الجنة والنار أنهما مخلوقتان موجودتان الآن باقيتان لا تفنيان، ورد على الشبهات والتشكيكات التي يوسوس بها أعداء الإسلام حول هذه القضايا، لكن يفتنوا بعض الشباب المثقف وغيرهم عن دينهم، ويزينون لهم القبيح من الرأي، والسيء من العمل، فتعرض ﵀ لهذه الشبهات واحدة واحدة فرد عليها ردا علميا مفحما دحض به شبهاتهم، وأبطل استدلالاتهم وأبان وجه الحق المنير وجلاه وجعله قرة عين للناظرين، ثم بعد ذلك تعرض لقضية محبة أصحاب الرسول ﷺ …، ويوجد بالكتاب رسائل كثيرة في الفقه وفتاويه، وكذلك مباحث في القرآن وتفسيره، والحديث النبوي، والحجاب واللباس والتصوير، وأخيرا البدع وأحوال العالم الإسلامي، والكتاب مهم لأنه يوجد به فتاوى وآراء لهذا العالم المحقق المدقق الثقة الذي أدعو الله أن يغفر له ويرحمه ويجعله في عليين ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (^١).
- وقد تطوع الأخ الفاضل السعيد بن صابر عبده لنشر آثار الشيخ، وشمر عن ساعد الجد، مبتغيا بذلك إن شاء الله خدمة هذا الدين ونشر علومه، والدفاع عنه، وأداء شيء من حق الشيخ الجليل، فقام بجمع المادة العلمية التي بداخل الكتاب وأعدها للطبع، ورغب إلي أن أقوم بمراجعتها وإبداء الملاحظات على العمل الذي قام به، فقمت بذلك، ثم كان من توفيق الله وتيسيره أن الأخ الفاضل وليد إدريس هو من تلامذة الشيخ الفقيد ومن ملازميه في الفترة الأخيرة من حياته، قام بكتابه ترجمة إضافية للشيخ سجل فيها ذكرياته عنه، وكثيرا من أخباره، ونقل طائفة طيبة من أقوال العلماء والفضلاء وطلاب العلم وتلامذته في الثناء عليه ورواية بعض أخباره وشمائله.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.
[ ٢ ]
- ت -
وبالإضافة إلى ذلك فقد سجل الأخ وليد مجموعة من الفتاوى والأجوبة التي أجاب فيها الشيخ عن أسئلة وردت إليه، مما خصه بها أو اطلع عليها ولم تنشر، فضمها إلى مجموع الفتاوى التي بداخل الكتاب.
وقد اتفق رأي الأخوين الكريمين الأخ السعيد، والأخ الوليد على أن يضما عملهما بعضه إلى بعض ويصدرا ما جمعاه وكتباه في هذا الكتاب القيم، وأن يخصص القسم الأول لما كتبه الأخ وليد من ترجمة الشيخ وأما ما جمعه من فتاوى، فضم إلى مجموع فتاوى ورسائل التي أعدها الأخ/ السعيد من أجل ترتيبها كما قام الأخ السعيد بالتعليق على الكتاب كله وتخريج آياته وأحاديثه.
ومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - كان على قدم راسخة في أنواع العلوم الشرعية من العقائد، والفرق، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والآثار، والعلوم العربية وأنواعها، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على واقع المسلمين وواقع العالم المعاصر، كما أوتي ذكاء وقادا وذاكرة قوية، وفهما ثاقبا ساعده على التحقيق في الأمور المعضلة، والفصل في الأمور المشكلة، فلم يكن جماعا للمعرفة فقط، وإنما محققا كقللة من العلماء الذين كانوا يخوضون في لجج العلم، ويستخرجون منها كنوز الفوائد ونفيس الفرائد.
كما يحسن أن نشير في هذه المقدمة إلى الشيخ العفيفي طيب الله ثراه كان - مثل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ يرى كراهية التأليف، ويرى أنه يكفي المسلمين اليوم العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فحسب فينهلوا منهما، ويستضيئوا بهداهما، ويستعينوا على فهمهما بما كتبه علماء السلف في ذلك، ويرى أن ما كتبه السلف كاف وواف، وأن ما يكتبه المعاصرون إنما هو إعادة له أو تشويه لجماله، وأكثره غثاء لا طائل تحته.
وبناء على ذلك أقول: إن ما نقدمه في هذا الكتاب - على جودته وحسنه - لا يمثل ما كان عليه الشيخ من العلم الغزير، والثقافة الواسعة، والتحقيق المتين،
[ ٣ ]
- ث -
وبسببه ما قدمته من رأيه في التأليف، ولذلك فهو مقتصد فيه إلى حد كبير، بل إنه كان لا يسمح بالكتابة عنه. ولو كان يسجل كل ما يعلمه لأتى بالعجب العجاب ولما وسعته عشرات المجلدات.
وها نحن نقدم للقارئ الكريم هذا الأثر النفيس لفقيدنا الغالي راجين أن يجد فيه ما يقوي ثقته بدينه، وما يتسلح به لرد عدوان المشككين، والمتحاملين على سنة خير المرسلين عليه أزكى الصلاة والتسليم، وما يعرفه بجهود العلماء سلفا وخلفا وأقدارهم.
- رحم الله الشيخ الجليل وجزى الله خيرا كل من دعا إلى الحق، ودافع عنه ونشره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرياض في: ٢٣/ ٤ / ١٤١٧ هـ
وكتبه
محمد عيد العباسي
[ ٤ ]