الأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم؛ وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة؛ فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾.
الثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله؛ لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، ولكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسئ الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.
روى الحاكم عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق»
[ ٢٦٧ ]
«فجار متعمدا أو قضى بغير علم؛ فهما في النار».
الثالثة: من كان منتسبا للإسلام؛ عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما؛ ليعلموا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر، خارج من ملة الإسلام.
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.
[ ٢٦٨ ]
لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه، وبعضهم يأمر بتطبيقه، أو يحمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه.
وبعضهم يأمر بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا.
فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد، والكفر، ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلها؛ فصدق فيهم:
قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾.
وقوله: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، وقوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾.
[ ٢٦٩ ]
إلى قوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.
وقوله سبحانه: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾.
إلى قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
إن هؤلاء قد صدوا عن تحكيم شرع الله انتقاصا له، وإساءة للظن بربهم الذي شرعه لهم، وابتغاء الكمال فيما سولته لهم أنفسهم؛ وأوحى به إليهم شياطينهم.
وكأن لسان حالهم يقول: (إن شريعة الكتاب والسنة نزلت لزمان غير زماننا؛ ليعالج مشاكل قوم تختلف أحوالهم عن أحوالنا، وقد يجدي في إصلاحهم ما لا يناسب أهل زماننا، فلكل عصر شأنه، ولكل قوم حكم، ويتفق مع عروفهم ونوع حضارتهم وثقافتهم).
فكانوا كمن أمر رسول الله أن ينكر عليهم ويسكتهم بقوله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ إلى قوله: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾.
وكانوا ممن حقت عليهم كلمة العذاب وحكم الله عليهم بأن لا خلاق لهم في
[ ٢٧٠ ]
الآخرة بقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
لقد استهوى الشيطان هؤلاء المغرورين فزين لهم أن يسنوا قوانين من عند أنفسهم ليتحاكموا إليها، ويفصلوا بها في خصوماتهم، وسول لهم أن يسنوا قواعد بمحض تفكيرهم القاصر وهواهم الجائر لينظموا بها اقتصادهم وسائر معاملاتهم؛ محاداة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وانتقاصا لتشريعها؛ زعما منهم أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم؛ حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي في المعاملات وكثرت المشكلات؛ فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر، والواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها، وطرق حلها؛ لتكون مستمدة من ثقافتهم وحضارتهم.
فهؤلاء قد طغى عليهم الغرور المكروه فركبوا رءوسهم، ولم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهاجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما؛ فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وأنه أنزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة، قدرها بكامل علمه وبالغ حكمته؛ فأحسن تقديرها، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان؛ فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال؛ فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد، وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم، وحل مشاكلهم وصلاح جميع شئونهم؛ في عباداتهم ومعاملاتهم.
إن العقول التي منحها الله عباده - ليعرفوا بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى
[ ٢٧١ ]
ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل - قد اتخذوا منها خصما لدودا لله فأنكروا حكمته وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه، وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون؛ لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل.
فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾.
وكانوا ممن ﴿بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾.
إن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين والهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض؛ لينظروا ما كانوا فيه -من قوة ورغد عيش وحضارة وبسطة في العلم- نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طرقهم اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري؛ لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل، وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين.
قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
[ ٢٧٢ ]