لقد سلكت الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده وصدقهم في دعوى الرسالة وخبرهم عن اليوم الآخر مسلك الإقناع بالحجة والبرهان، وضرب الأمثال، وجمعت في ذلك بين مناجاة العقل والتأثير على العاطفة والتذكير بما
[ ٢١٣ ]
جبلت عليه النفوس، وفطر عليه الخلق من الإقرار بالحق، والميل إلى العدل والإنصاف، مع لين الجانب، والرفق في الخطاب، والصفح الجميل في غير ذلة ولا مواربة أو مداهنة في الحق، فلا عنت في القول ولا تعسف، ولا فرض لحكم على الأمة دون بينة من الله وسلطان.
ففي إثبات وجود الله: اكتفوا في الاستدلال عليه بالإشارة مع دقة المأخذ وسهولة العبارة، لقلة من أنكر وجوده تعالى ممن مسخت فطرهم، ووضح للعقلاء جهلهم ومجافاتهم الحق وتنكبهم طريق الصواب، قال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون﴾، فأنكر تعالى أن يكونوا خلقوا بلا خالق؛ ضرورة أن الأثر يحتاج في حدوثه إلى مؤثر كما شهد بذلك العقل والفطرة والحس، وأنكر أن يكونوا خالقين لأنفسهم لما يلزمه من التناقض، وأنكر أن يكونوا خالقين للسماوات والأرض؛ لشهادة تاريخ وجود الأمم والكونيات الأخرى بأن خلق السماوات والأرض قد كان قبل خلق ما بينهما من الإنس والجن ونحوهم، فكيف يخلق المتأخر في الوجود شيئا قد سبقه وتقدم عليه.
وقد أخذ جماعة من العلماء هذا الدليل الخبري العقلي، وأدخلوا عليه شيئا من التكلف والصناعة الكلامية فقالوا: إن نسبة المكن إلى طرفيه الوجود والعدم على السواء، فلو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته لزم ترجيح أحد المتساوين على الآخر بلا مرجح، ولو أوجد نفسه لزم مع ذلك أن يكون متقدما على نفسه .. باعتباره خالقا لها، متأخرا عنها باعتباره مخلوقا لها، وتقدم الشيء على نفسه وتأخرها عنها باطل بالضرورة، لما فيه من التناقض، ولا بد أيضا أن يكون واجب الوجود لذاته، مختلفا عن العالم في خواصه وصفاته
[ ٢١٤ ]
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ذلك ليصح أن يستند إليه العالم في وجوده بدءا ودواما؛ إذ لو كان مستحيلا لما صح أن يكون منه خلق أو تقدير؛ لأن المستحيل عدم محض وفاقد الشيء لا يعطيه، ولو كان ممكنا لافتقر إلى من يرجح وجوده على عدمه كما سبق بيانه، فإن استمرت الحاجة فاستند كل في حدوثه إلى نظير له من الممكنات؛ لزم إما الدور القبلي وإما التسلسل في المؤثرات، وكلاهما باطل باتفاق العقلاء.
وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ثبت له وجوب الوجود لذاته ضرورة؛ لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة: الوجوب، والإمكان، والاستحالة، وقد انتفى اثنان فتعين الثالث: وهو وجوب الوجود، قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾، وفي الحديث: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء».
ومن نظر فيما ترشد إليه الآيات نظرا ثاقبا، وفكر فيما توحي به سنن الله في المخلوقات -من عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشد أسرها- تفكيرا عميقا، وبحث في أحكامها وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى والحمية الجاهلية وأنصف مناظره من نفسه -فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه- اتضح له الهدى، واضطره ذلك أن يؤمن من أعماق قلبه بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تدبيره وتقديره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل ووضوح السبيل تعامى بعض الناس عن الحق، ومن أولئك: فرعون موسى، فإنه أنكر بلسانه ما تيقنت به نفسه، فأقام موسى عليه
[ ٢١٥ ]
الحجة بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع -فوجود الخلق وعظم شأنه دليل على وجود الخالق وعظم قدرته وقدره وسعة علمه وكمال حكمته- فألقمه الحجر.
وذلك بين فيما حكاه الله عنهما من الحوار والسؤال والجواب، قال تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾.
فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق ويقيم عليه الحجة والبرهان، وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء لا يملك إلا الشتم والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب، وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾، وقال تعالى: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ فبين تعالى أنه آتى موسى الآيات البينات التي تنير البصائر، وتجلو الشكوك، وأن موسى ثبت في ميدان الدعوة ثبات مؤمن بما جاء به موقن بنصر ربه، فلم يرهبه جبروت فرعون ولم يأخذ من نفسه مأخذا مع وحدته وضعف قومه.
أما فرعون فقد بهرته الآيات، وأخذت عليه صولة الحق الطريق فلم يجد لديه سلاحا يحفظ به ملكه في زعمه، ويدافع به عن باطله إلا الخداع والتمويه
[ ٢١٦ ]
على قومه، وإنذار موسى ومن آمن به أن يذيقهم أليم عذابه، وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط، وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين، ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ .. إلا أنه أجمل وأوجز في الاستدلال بهذه الآيات وفصل في تلك.
وقد ورث ذلك الزيغ والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة، فتارة يسمون بالدهريين، وأخرى برجال الحقيقة ووحدة الوجود، وأحيانا بالشيوعيين، وآونة بالبهائيين، إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها والتقت مقاصدها ومعانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، ولا له إله يقصد ويعبد، وقد تبين بما تقدم وأمثاله فساد مذهبهم وخروجه عن مقتضى العقل والفطرة وما أيد ذلك وصدقه بعد أدلة السمع.