إن هذه القصة فيها كثير من العجائب والعبر والعظات والأحكام والأخلاق وألوان الابتلاء والامتحان والفضل والإحسان، والذي أقصد إليه من مباحثها أمران لمزيد اتصالهما بما أنا بصدد الكلام عليه، الأول: كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ، والثاني: كيف كانت دليلا على أن الله يعد رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم.
أما الأول: فإنه تعالى ذكر قصة يوسف ﵊ في القرآن مفصلة؛ لتكون آية، بل آيات على نبوة رسوله محمد ﵊، وبيان ذلك: أنه كان أميا لم يقرأ شيئا من كتب الأولين، ولا درس شيئا من تاريخهم، ولا خط من ذلك شيئا بيمينه حتى يرتاب في أمره ويتهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس، قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾، بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها، لم تخطر له ببال، ولم تقرع له سمعا قبل أن يوحي الله بها إليه، ويذكرهم له في محكم كتابه، قال تعالى في مطلع سورة يوسف: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾، وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه وعرضها على أبيه ووصية أبيه له: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾.
ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب، وتناولوه بالحديث فيما بينهم، بل كانت غيبا بالنسبة إليهم، ولا كان محمد مع يوسف وإخوته،
[ ١٨٩ ]
ولا شهد مكرهم به، ولا كيدهم له فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده أو انتشر بين قومه، قال تعالى لنبيه محمد في ختام قصة يوسف ﵊: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾.
ولا يسع أحدا أن يقول إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود، فإن السورة مكية، واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها، ولم يعرف عنه أنه اتصل بهم قبل الهجرة، ولا دارسهم شيئا من العلوم، ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد وكثرة الخصوم وحرج قومه من دعوته، وسعيهم جهدهم في الكيد له والصد عنه وحرصهم على تشويه سمعته والقضاء عليه وعلى دعوته حتى رموه بالسحر والكهانة والجنون، واتهموه زورا بالكذب، وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين، وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه من حبسه أو طرده من بينهم وتشريده، وانتهى أمرهم بالاتفاق على قتله، فأنجاه الله من كيدهم، وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عز الإسلام وقامت دولته، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، فقوم هذا شأنهم معه لا يخفى عليهم أمره وهو يعيش بين أظهرهم وهو له بالمرصاد، فلو وجدوا سبيلا عليه باتصاله باليهود والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحته، والتشنيع عليه بذلك ولم يضطروا إلى الافتراء عليه، ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة ولم يلجئوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها، فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة وادعوا أنه يعلمه، فسفه الله أحلامهم وألقمهم الحجر، قال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.
[ ١٩٠ ]
وليست قصة يوسف خبرا مقتضبا عبر عنه بالجملة أو الجملتين، فيقال إن صدقه في الحديث عنها وليد الصدفة والاتفاق، بل هي قصة كثيرة العجائب متشعبة الموضوعات، وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة، فمن رؤيا صادقة إلى مؤامرة، ثم نجاة يتبعها بيع، ثم إيواء … إلى مراودة يتبعها هم، ثم عصمة من الفحشاء … إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد مع رفق وحسن سياسة وتأويل للرؤيا أصدق تأويل يتبع ذلك خروجه ﵇ من السجن بريئا من التهمة، وتولية شئون الدولة واجتماع إخوته به مع معرفته لهم وإنكارهم إياه، وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه وعفوه عنهم، وحضور أبويه إليه على خير حال إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب الله .. وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب .. أفيعقل بعد ذلك أن يقال إن صدقه ﵊ فيما سرده من قضاياها ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق.
وختم سبحانه سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إجمالا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة، وهو أن تكون آية على نبوة محمد ﷺ. وصدقه فيما جاء به من التشريع، وأن قصة يوسف ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء، فليس حديثا مفترى ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين، وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم، وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من إنسان أمي عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله؟ كلا إنها العناية الربانية والرسالة الحقة، والوحي الصادق المبين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد
[ ١٩١ ]
ﷺ ليكون رحمه للعالمين ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.
وأما الثاني: فإن في تفاصيل القصة كثيرا من الأسرار والعجائب التي أيد الله بها رسله، وهيأ بها أنبياءه لقيادة الأمم وسياسة الشعوب من أخلاق سامية وآداب عالية وحكمة بالغة وقوة عزيمة وعقائد صحيحة، وبيان ذلك من وجوه كثيرة:
أ - منها صفاء روح يوسف، ونقاء سريرته، وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنه، وأول نشأته، فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه وختام حياته، ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾.
ب - ومنها ما خصه الله به من الميزات التي زادت تعلق والده به وحبه له، وحملت إخوته على التآمر عليه والكيد له، فأشار بعضهم بقتله ليخلوا لهم وجه أبيهم وتطيب لهم الحياة مع أبيهم من بعده، ورأى آخرون أن في إبعاده عن أبيه الكفاية، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك، ورموه في غيابة الجب، وأوحى الله إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، إيناسا له وإزاحة للغمة عن نفسه، وهيأ له من أخرجه من البئر، لكنهم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، فرعاه الله وجعله عند من يكرم مثواه، ومكن له في الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
ج - ومنها الحلم والصفح الجميل وسعة الصدر والصبر على البلاء، فإنه بعد
[ ١٩٢ ]
أن مكن الله له وجعله على خزائن الأرض، واجتمع بإخوته لم ينتقم لنفسه، بل صفح عن الزلة، وعفا عند القدرة، واكتفى بالإشارة في إشعارهم بما سبق من سوء صنيعهم معه، ﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.
د - ومنها عفة فرجه ونزاهة نفسه مع توفر دواعي الشهوة وتهيؤ أسباب الجريمة، من تكرار الخلوة بامرأة العزيز، ومزيد الخلطة، ودعوتها إياه للفاحشة، وحياته معها في بيتها، وأخذها الحيطة بإغلاق الأبواب، لقد كان يوسف من المخلصين لله الواثقين به، فاستعاذ بربه ولاذ بجنابه، واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه، وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الدمار والخسارة، وبذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء، وأظهر براءته على رءوس الأشهاد: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾، إلى أن قال تعالى حكاية عن عزيز مصر بعد الشهادة عنده ببراءة يوسف: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ إلى أن قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز مع النسوة اللاتي عيرنها بشغفها، وتعلقها بيوسف: ﴿راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾.
ولقد عرف يوسف عليه الصلاة السلام طريق الخلاص، ففزع إلى من بيده
[ ١٩٣ ]
القلوب ومقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء، وتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته حينما سمع إنذارها له بالسجن إن لم يكن عند رغبتها ويحقق لها ما تريد، وسأل ربه أن يعصمه من الزلل، ويصرف عنه كيد أولئك النسوة: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾، وما كان الله ليرد عبدا اتقاه، وأخلص له الدعاء، وكان السجن أحب إليه من الفحشاء ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾.
هـ- ومنها أنه لم يشغله ما أصيب به من تتابع البلاء عن ربه ودينه والدعوة إلى ما ورثه من التوحيد عن آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، فانتهز حاجة من معه في السجن إليه في تأويل ما رأياه في منامهما، فبدأ بالحديث عن نفسه تعزيزا لمركزه حتى يقبل عنه قوله، ثم نصح لهما في التوحيد وزينه، وحذرهما عن الشرك وقبحه، وأقام على ذلك الحجة مع لطف وتذكير بالصحبة في البلاء، كل ذلك قبل تأويل الرؤيا ليكون أدعى إلى الإصغاء والقبول وأبعد عن الإعراض، وقد أطال في ذلك وجعله المقصود، ثم ختم بتأويل الرؤيا لهما في آية قصيرة، قال تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾
[ ١٩٤ ]
فانظر إلى سلامة فطرته وصحة عقيدته وتناسيه البلاء، وذكره لأسلافه وأمجاده الطاهرين المصلحين، ليتخذ منهم قدوة له في التوحيد والدعوة إليه والحذر من الشرك وبيان فساده بالحجة والبرهان، وانظر إلى كرم خلقه مع صاحبيه حتى شهدا له بالمعرفة والفضل والإحسان، وإلى حسن سياسته معهم في الدعوة إلى الله وإيثارها على ما سألاه عنه دون تضييع لما تعلقت به نفوسهما من تأويل الرؤيا، وبلا مجابهة بالمكروه لمن دلت رؤياه على سوء عاقبته، بل أبهم الأمر، فقال: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وقد حقق الله ما قال فصار كل منهما إلى ما ذكر له في تأويل رؤياه.
وومنها أن يوسف مع ثقته بربه وتوكله عليه أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص مما أصابه من البلاء، وليس في ذلك ما يعيبه أو يغض من توكله على الله، فإنه قد زج به في السجن ظلما وعدوانا بشهادة خصومه -ودفع الظلم مشروع بل قد يكون واجبا- فقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك، ولكن الله أراد أن يزيده تمحيصا وصدقا في التوكل عليه، وقوة في الصبر على البلاء، فأنسى الشيطان ذلك الفتى أن يذكر يوسف لربه بالخير، فلبث في السجن بضع سنين، ثم اختار الله له طريقا إلي الخلاص خيرا من الطريق التي رسمها لنفسه كما سيأتي.
ز - ومنها أن الله سبحانه شاء أن تكون نجاته بما آتاه من العلم والحكمة وعلمه من تأويل الأحاديث، ولا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة إليه راعيها ورعيتها دون
[ ١٩٥ ]
حاجته إليهم؛ ليكون ذلك أكرم لنفسه وأعز لها ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منة، فهيأ له السبيل لذلك، ورأى ملك مصر رؤيا هاله أمرها، وعجز أشراف قومه عن تعبيرها ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ قالوا ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾، ولما انتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أولها أصدق تأويل، وبين أنها كشفت للأمة عن مستقبلها في رخائها وشدتها أربع عشر سنة، ﴿قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾، فأخذ ذلك التعبير من قلب الملك مأخذه، ولم يسعه إلا أن يرسل بإحضار يوسف إليه، فأبى حتى ينظر في قضيته مع النسوة، فإنه قد زج به في السجن من أجلهن، ﴿قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم﴾، ففعل الملك، وظهرت براءة يوسف: ﴿قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾، ولما طلبه الملك بعد ذلك وحضر عنده، ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾، ثقة منه بنفسه، وعلما منه بأنه ليس في الأمة من يصلح لتدبير شئون الدولة الاقتصادية وتصريف أمورها على وجه يحفظ كيانها سواه، فطلب ذلك لمصلحة الأمة لا لحظ نفسه، فاستجاب له الملك لعلمه وصدقه وأمانته، وأتم الله
[ ١٩٦ ]
ليوسف ما شاء من نعمته، ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾.
وبذلك يتبين أن الله محص يوسف ورعاه بتتابع البلاء والإنجاء، وابتلاه بكيد إخوته له ورميهم إياه في الجب، ثم أنجاه، وابتلاه ببيع السيارة له، ثم هيأ له من أحسن مثواه، ابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه وبالنسوة اللاتي قطعن أيديهن، ثم عصمه وحماه، وابتلاه بالسجن، ثم أخرجه منه بريئا من التهمة عليما بربه وبشئون الأمة في وقت اشتدت فيه حاجة البلاء إلى حفيظ عليم يدبر أمرها، ويقودها في حياتها خير قيادة، فتولى أمرها واستسلم له أهلها.
وفي قصة يوسف سوى ما ذكر شيء كثير يدل على أن الله سبحانه تعهد يوسف برعايته، وتولاه في أطوار حياته ليختاره رسولا يضطلع بأعباء الرسالة وليجعل من سيرته الحميدة آيات بينات على صدقه فيما جاء به وأمانته في البلاغ عن رب العالمين.
[ ١٩٧ ]
قصة موسى ﵇