الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهونه عن الردى، وينفون بسنة رسوله ﷺ الجهالة والردى.
فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن آثارهم على الناس وما أقبح آثار الناس عليهم! (^١).
والصلاة والسلام على إمام العلماء وقدوتهم القائل: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (^٢).
أما بعد:
فما أعظم فجيعة العالم الإسلامي يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. وما أفدح خسارته يومئذ! وهو اليوم الذي قبضت فيه روح الإمام العلامة الفقيه الأصولي المفسر النحوي البارع في جميع العلوم الزاهد الورع الشيخ أبي أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي الأزهري السلفي عن اثنين وتسعين عاما قضى شطرها بمصر وشطرها بنجد ينشر العلم ويفتي المسلمين ويدعو إلى الله تعالى في البلدين كليهما ويخرج على يديه أكابر العلماء يواصلون مسيرته في الدعوة إلى الله على بصيرة.
وقد كان ﵀ شديد الغيرة على عقيدة السلف الصالح حريصا على
_________________
(١) هذه الافتتاحية مقتبسة من رسالة السنة للإمام أحمد التي أرسلها إلى مسدد بن مسرهد ونص الرسالة بترجمته في طبقات الحنابلة لأبي يعلى.
(٢) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ١١ ]
نشرها بكل سبيل والدفاع عنها بكل سلاح، ويزين ذلك كله بتواضعه الجم وزهده في حطام الدنيا وسخائه بما في يده. لذلك عظم المصاب به ولله در شيخنا العلامة صالح بن فوزان- وهو أحد تلاميذ المترجم- حيث يقول:
«إن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي يرحمه الله شخصية علمية فذة، فهو شيخ المدرسين وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، فله الفضل بعد الله على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير والحديث والعقيدة والأصول … إلى أن يقول: … والآن وقد لقى ربه من ذا سيسد ثلمته؟
سيذكرني قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر» (^١).
وقد كنت وأنا بالأسكندرية قبل قدومي إلى المملكة أسمع الثناء العطر على الشيخ عبد الرزاق ﵀ من تلاميذه هناك خاصة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن على البرماوي ﵀، الذي كان لا يفتأ يحدثني عن جهاد الشيخ عبد الرزاق في نشر السنة والعقيدة السلفية بالأسكندرية مدة مقامه بها، وكيف أنه كان يذهب إلى مساجد الصوفية يأمرهم بالتوحيد واتباع السنة وينهاهم عن الشرك والبدع مما جعله لا يسلم من أذاهم حتى وصل الأمر إلى أن رفعوا شكاوى ضده إلى المحاكم.
ثم إني عندما عزمت على القدوم إلى المملكة أرسل معي الشيخ البرماوي ﵀ رسالة إلى الشيخ عبد الرزاق، وأعطيته الرسالة، وكان ذلك في شهر جمادى الأولى سنة ١٤١٠ هـ، قرأها متهلل الوجه ثم طفق يسألني عن أحوال الشيخ البرماوي وأحوال الدعوة بالأسكندرية وأظهر لي من الحفاوة والإكرام ما يليق به - وإن لم أكن له بأهل- ثم رد إلى الرسالة ولازلت محتفظا بها، ثم إن
_________________
(١) من مقالة للشيخ صالح بن فوزان.
[ ١٢ ]
الشيخ عبد الرزاق ألح علي أن أتغدى عنده، وكان معي أحد إخواني فقال: أنت وصاحبك، فقلت له: إني راجع متأخرا من الدوام، والمسافة بعيدة فقال: ولو! سوف أنتظركما، فلما كان من الغد قدمنا على الشيخ فإذا به قد فتح باب منزله وجلس على كرسي قريبا من الباب، والطعام بالداخل معد على المائدة، فقابلنا بالترحيب كعادته، ولم تخل جلسة الطعام من فائدة علمية، وذلك أن الشيخ ناول كلا منا طبقا ليغرف فيه وغرف الشيخ لنفسه طبقا ثالثا، فسألته هل يحصل فضل الاجتماع على الطعام الوارد في قوله ﷺ: (خير الطعام ما تكاثرت عليه الأيدى) (^١). وإن لم يكن الاجتماع على نفس الإناء. فأجاب قائلا: المقصود بالحديث الاجتماع على مائدة واحدة ولا يشترط الاجتماع على نفس الطبق.
ثم إني طلبت من الشيخ أن يحدد لنا موعدا نزوره فيه، فحدد لنا يوم السبت بعد صلاة المغرب من كل أسبوع.
فكنت أتردد على الشيخ ﵀ في هذا الموعد مع بعض إخواني يشرح لنا فيه عبارة غامضة في كتاب، أو يجيب على استفتاءاتنا، وقد طلبت من الشيخ أن أقرأ عليه في كتاب معين. فقال: الأحسن أن تقرأ أنت وحدك، وما غمض عليك أشرحه لك، فلازمت الشيخ ﵀ نحو أربع سنوات يتخللها انقطاعات بسبب سفر الشيخ ومرضه، وغير ذلك.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وإنما الذي وقفت عليه ما رواه أبو يعلى في مسنده (٢٠٤٥) وفي اسناده عبد المجيد بن أبي رواد وفيه ضعف وقد وثق. وابن جريج وأبي الزبير المكي وكلاهما مدلس وقد عنعن ولفظه (إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي)، وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٣٤) إلى الطبراني وأبي الشيخ. وللحديث شاهد عن وحش بن حرب مرفوعا ولفظه «اجتمعوا على طعامكم واذكروا الله عليه يبارك لكم فيه» والحديث اسناده ضعيف وقد رواه أحمد (٣/ ٥٠١) وأبو داود (٣٧٦٤). وابن ماجه (٣٢٨٦) وقد حسنه الألباني بالطريقين في السلسلة الصحيحة (٨٩٥).
[ ١٣ ]
وقد كنت حريصا على تسجيل هذه الجلسات المباركة مع الشيخ ﵀ تسجيلا صوتيا على شريط إلا أن الشيخ ﵀ رفض ذلك رفضا قاطعا ولم يأذن لنا فيه، فكنت أكتب خلفه الفتاوى المهمة فكان كثيرا ما ينهاني أيضا عن الكتابة خلفه، ويقول: لقد كان الإمام ابن حزم ينتقد الإمام ابن القاسم؛ لأنه كان يكتب كل ما يقوله الإمام مالك، وكان ينبزه بقوله هو حمار مالك يكتب كل ما يقول، إلا أن الشيخ ﵀ كان يعقب على هذه الحكاية بقوله: كان ابن حزم بذي اللسان يقع في العلماء.
وبالرغم من هذا فإني كنت أكتب خلف الشيخ أحيانا كثيرة حتى تجمعت لدى مجموعة كبيرة من فتاوى الشيخ الخاصة، والشيخ ﵀ كان يتميز بدقة العبارة والتأني في الإجابة بحيث إن إجابته كانت إجابة من يملي إملاء مما يسهل على من يرغب في الكتابة خلفه أن يكتب بيسر مع المحافظة على عبارة الشيخ غالبا.
وبعد وفاة الشيخ عبد الرزاق ﵀ ترجم له جماعة من تلاميذه تراجم موجزة في هيئة مقالات، في الصحف، والمجلات، أو محاضرات ألقوها، أو تراجم خاصة أرسلوها إلى ولده الأستاذ محمود - حفظه الله - الذي أعطاني نسخة منها، بالإضافة إلى عدد من الحكايات التي سمعتها مشافهة من الشيخ عبد الرزاق نفسه ومن بعض تلاميذه.
فرأيت أنه من الوفاء للشيخ ﵀ والعرفان لجميله أن أجمع شتات ذلك في كتاب واحد بعد ترتيبه وتهذيبه، فاستخرت الله تعالى وشرعت في هذا العمل؛ إذ لم يشكر الله من لا يشكر الناس، وأولى الناس بالشكر هم الأنبياء وورثتهم من علماء الأمة، فلهم منة قد طوقوا بها رقاب الخلق، ومما شجعني على مواصلة هذا العمل، رغبة الأخ السعيد بن صابر بن عبده الذي أخذ على عاتقه نشر تراث الشيخ ﵀.
[ ١٤ ]
ومما شجعني على ذلك أيضا أني وجدت كثيرا من الفضلاء قد أملوا هذا الأمل واستنشدوا من كان لديه شيء من تراث الشيخ أن ينشره لتعم به الفائدة.
فمن ذلك ما قاله الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ في آخر ترجمته الخطية للشيخ عبد الرزاق:
إن حياة شيخنا المباركة تستحق أن تكتب فيها مؤلفات، ولست أدعي أن هذه الكلمة قد وفت فقيدنا العظيم حقه من الترجمة، ولكنها كلمة وفاء وعرفان بالجميل، ﵀ وغفر له، وأحسن جزاءه.
ومن ذلك أيضا: ما قاله الشيخ يوسف المطلق لمجلة الدعوة [العدد ١٤٥٨] قال - حفظه الله -:
«وإننا نرجو أن تنشر فتاويه الخاصة في سجل يستفاد منه زيادة على فتاوى مشايخنا، وعلمائنا، وعلى رأسهم سماحة عالم الأمة الشيخ عبد العزيز بن باز و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾» ا هـ.
ومن ذلك أيضا: ما قاله الأستاذ محمد عبد الله الشريف عضو مجلس الشورى في جريدة الرياض الصادرة يوم ١/¬٤/¬١٤١٥ هـ:
«إن من حق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على طلبته الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من معرفته وعلمه، أن يقوموا بجمع تراثه العلمي، ومؤلفاته، ورسائله، وفتاويه، وسيرته، وينقحوها ويطبعوها ليستفيد منها كل طالب علم لأنه ﵀ كان يتصف حتى بالزهد في طباعة المؤلفات» ا. هـ.
وتحقيقا لبعض ما رغب فيه هؤلاء الأفاضل، شرعت في هذا العمل مستعينا بالله تعالى على إتمامه، وعلى أن يخرج بالصورة اللائقة بالمترجم.
وقد قسمت هذا الكتاب إلى قسمين:
[ ١٥ ]
أ - قسم للترجمة، جعلته مرتبا على فصول كما ستجده - إن شاء الله -.
ب - وقسم للفتاوى الخاصة وقد طبع بمفرده في الطبعة الماضية. أما في هذه الطبعة فسوف يطبع ضمن مجموع الرسائل والفتاوى التي جمعها الأخ السعيد لكي يرتب الكتاب ترتيبا علميا.
والجدير بالذكر أنى لم أذكر في قسم الفتاوى إلا ما سمعته من الشيخ - رحمه الله تعالى - بأذني، وكتبته عنه بقلمي، ولم أكتب فيه شيئا لم أسمعه بنفسي من فم الشيخ عبد الرزاق عليه سحائب الرحمة.
وقد أوردت عقب هذه المقدمة، صورة ورقة بخط المترجم ﵀ يوصي فيها بقبول شهادة العبد الفقير كاتب هذه السطور لتحصل الثقة - إن شاء الله - فيما أرويه عن الشيخ من الفتاوى.
وأختم هذه المقدمة بنداء أوجهه إلى طلبة العلم في هذا العصر الذي ابتلينا فيه بظاهرة غريبة، لا نظير له في أي عصر من العصور السابقة وهي إهمال الترجمة، والتأريخ للمعاصرين، ولمشايخهم إهمالا عجيبا رغم أن أسلافنا قد دأبوا على تصنيف تواريخ خاصة بكل بلد على حدة كتاريخ دمشق، وتاريخ بغداد، وتاريخ نيسابور ونحوها، وتواريخ عامة للقرون كخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، وطبقات للحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والقراء، والنحاة مما يطول ذكره.
ثم يجئ من بعدهم فيذيل على تواريخهم وطبقاتهم، لكنه من المؤسف الآن أنك ترى مئات من الأعلام في أنحاء العالم الإسلامي تقبض أرواحهم هذا مقرئ، وهذا محدث، وهذا نحوي، وهذا زاهد عابد، فتموت معهم أخبارهم، ولا يجدون من تلاميذهم، ومحبيهم من يتصدى لنشر فضائلهم حتى إن المرء. ومن جرب عرف - يعاني الأمرين حين يبحث - في الأسانيد المتأخرة وتلاميذه ولو أن كل طالب علم ذكر ما يعرفه عن أحوال مشايخه لتجمع من ذلك ما يكمل بعضه بعضا وتتم به الفائدة.
[ ١٦ ]
فإن قال القائل: ما فائدة التراجم، والتعرف على سير الرجال؟ قلت: لها فوائد كثيرة، منها:
١ - حصول الثقة لدى من يأتي بعدهم في علومهم ومؤلفاتهم وفتاواهم.
٢ - تثبيت قلوب المؤمنين بسماع قصص أتباع الرسل كما ثبت الله تعالى رسوله بأن قص عليه من قصص الرسل، قال تعالى: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ (^١).
٣ - الاقتداء بهم والسير على طريقهم.
٤ - الوفاء لهم وشكر إحسانهم بالتسبب في الترحم عليهم، والانتفاع بعلمهم عملا بقوله ﷺ «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (^٢). وقوله ﷺ: من دل على خير فله مثل أجر فاعله (^٣).
٥ - التعريف باتصال الأسانيد المارة بهم، وصحتها سواء أسانيد القرآن الكريم وقراءاته، أو أسانيد الحديث النبوي، أو أسانيد غيره من العلوم والكتب.
وأختم مقدمتي هذه بحمد الله تعالى، والصلاة والتسليم على رسوله الأمين وعلى آله، وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
وكتبه
أبو خالد وليد بن إدريس بن عبد العزيز بن منيسي الإسكندري الحنبلي
عفا الله عنه
الرياض ١٠/¬١١/¬١٤١٧ هـ
_________________
(١) سورة هود، الآية: ١٢٠.
(٢) رواه أبوداود، والترمذي. انظر: صحيح أبي داود للشيخ الألباني، الحديث رقم ٤٠٢٦.
(٣) رواه مسلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة [٦٧٤].
[ ١٧ ]
﷽
نشهد نحن الموقعين أدناه
أن الأخ/ عبد الحميد عثمان رجل فاضل وعلى خلق، وولده بالمستشفى يحتاج إلى عملية جراحية بالعين ويحتاج إلى مساعدة مالية.
١ - وليد إدريس عبد العزيز
٢ - عادل مرسي رفاعي
* * *
الشاهدان المذكوران من إخواني السلفيين الثقات الصادقي اللهجة والمعروفين لديَّ بالخير، والمعروف، فأرجو أن يقبل قولهم وتحقق رغبتهم فيما شهدوا به.
والله الموفق؛ ٦/ ٩ / ١٤١٠/ هـ
كتبه وشهد به
عبد الرزاق عفيفي
[ ١٩ ]