العرش والكرسي كلاهما حق، وللعرش حملة من الملائكة يحملونه فوقهم، قال الله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ وقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ وقد ميز الله العرش بنسبته إليه، وخصه باستوائه عليه، قال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ وقال: ﴿ذو العرش المجيد﴾ وقال: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، وقال: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقال: في أكثر من آية ﴿ثم استوى على العرش﴾ فدل ذلك على وجوده وامتيازه واستواء الله عليه، كما دلت الآية الثانية على وجود الكرسي.
واختلف في صفة العرش وموقعه من المخلوقات، فقيل: إن العرش مثل القبة فوق المخلوقات، واستدل لهذا بما رواه أبو داود وغيره في حديث الأطيط من قوله ﷺ: «إن عرشه على سماواته» هكذا، وقال بأصابعه، مثل القبة.
[ ٢٤٩ ]
أي: أشار بأصابعه إشارة تدل على أن العرش يشبه القبة، لكن هذا حديث ضعيف الإسناد، واستدل لذلك أيضا بما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»، لكن هذا لا يدل على أن العرش كالقبة فوق السماوات من جانب واحد، فإن السماوات محيطة بالأرض، ومع ذلك فهي كالقبة بالنسبة لكل جماعة على سطح الأرض من الجهة التي تليهم، وقيل: إن العرش فلك مستدير محيط بالعالم من كل جهة، وربما سماه أصحاب هذا القول الفلك الأطلسي أو الفلك التاسع، ورد هذا بأن للعرش قوائم، لما ورد في حديث بيان النبي ﷺ فضل موسى ﵊ من قوله ﷺ: «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فالظاهر أنه كسقف أقيم على قوائم، وأن الملائكة تحمله من هذا القوائم، وأيضا العرش في اللغة السرير الذي أعد للملك ليجلس عليه، ولا تفهم منه العرب إلا ذلك، وقد نزل القرآن بلغة العرب، وإذن ليس العرش فلكا مستديرا، بل هو كالقبة على العالم وسقف للمخلوقات، وقد استشهد لكونه سريرا بشعر أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر النا … س وسوى فوق السماء سريرا
[ ٢٥٠ ]
واستشهدوا لذلك أيضا بما ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة، من أن عبد الله بن رواحة عرض لامرأته بشعر عن القراءة حينما اتهمته بجارته ليوهمها به أنه قرآن، وأنه ليس بجنب، قال:
شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد … ملائكة الإله مسومينا
لقول أبي ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».
وتأول جماعة العرش فقالوا: إنه عبارة عن الملك، وهذا تحريف لكلام الله وإخراج له عن المعنى المتبادر منه بلا دليل، فإنه يبعد أن يقال في تفسير الآيات السابقة: ويحمل ملك ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وأن يكون معنى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ وكان ملكه على الماء، ويكون معنى أخذ موسى بقائمة من قوائم العرش أخذ بقائمة من قوائم الملك، فكان تفسير العرش بالملك باطلا.
أما الكرسي فقيل: إنه موضع القدمين، وأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه، فهو غير العرش، ولقول ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، وقيل: إن الكرسي هو العرش، ويرده ما تقدم عن ابن عباس، وفسر الكرسي بالعلم، ونسب هذا إلى ابن عباس، ولكن المحفوظ عنه
[ ٢٥١ ]
التفسير الأول.
هذا والسكوت عن الكلام في العرش وأنه كالقبة أو فلك مستدير محيط بالكائنات خير من الخوض في ذلك، وكذا ترك التعمق في كون العرش هو الكرسي أو خلافه خير من الجدل وكثرة الحديث فيه، فإن الخوض في ذلك والتعمق فيه من شره الفكر، واستشراف العقل إلى إدراك أمر غيبي لا يعلم إلا بالتوقف، فينبغي الوقوف عند النقل، ويجب أن يعلم أن استواء الله على العرش ليس لحاجته إليه، ولا لكون العرش حاملا له، فإن السماء فوق الأرض ومحيطة بها، ولم يلزم أن تكون السماء في قيامها وتماسكها محتاجة إلى الأرض، ولا أن تكون الأرض حاملة لها، فالله مستو على عرشه، وهو مستغن عنه وعما فيه من الكائنات، وهو فوق عباده حقيقة، محيط بهم إحاطة تليق بجلاله لا كإحاطة الفلك بما فيه من الكائنات، والجميع قائم بحوله وقوته ابتداء ودواما، محفوظ بعنايته ورعايته، جلت قدرته، وتعالت عظمته علوا كبيرا، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ وقال: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾.
وقال: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا﴾ وقال: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾ وقال: ﴿بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط﴾.
وهذا هو مذهب السلف في صفة الاستواء، وعلو الله على عرشه حقيقة مع التفويض في الكيفية، فقد سئل مالك بن أنس ﵁: كيف استوى الله على العرش؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وذكر ذلك حسان بن ثابت في شعره، قال:
شهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل
يريد النبيين يحيى بن زكريا وأباه زكريا، وسأل مطيع البلخي أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وعرشه فوق سبع سماوات، قلت فإن قال: "إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر، وفي بعض الروايات عنه زيادة "لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل"، ومن أنكر هذا عن أبي حنيفة فهو ممن انتسب إلى مذهبه الفقهي مع مخالفته له في بعض مسائل الاعتقاد كالمعتزلة.
[ ٢٥٣ ]