وقال وقد سئل عن مثل هؤلاء الجُهَّال، فقرر: أن من قامت عليه الحجة وتأهَّل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور، وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله.
وقد سبق من كلامه ما فيه كفاية، مع أن العَلامة ابن القيم - ﵀ جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهَّلوا لذلك وأعرضوا ولم يلتفتوا، ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل، فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة لرسول
من الرسل.
وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم، ولا يدخلون في مسمَّى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم - وسيأتيك كلامه-، وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقي، مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الإسلام ومسمَّاه مع بعض ما ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عبادة الصالحين ودعائهم ولكن العراقي
يفر من أن يسمِّي ذلك عبادة ودعاء، ويزعم أنه توسل ونداء، ويراه مستحبًا وهيهات أين المفر؟ والإله الطالب، حيل بين العير والنزوات بما
منَّ الله من كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما جاء به محمد عبده ورسوله من الحكمة والهدى والبيان لحدود ما أنزل الله عليه، ولا يزال الله ﷾ يغرس لهذا الدين غرسًا تقوم به
[ ١٥٨ ]
حجته على عباده، ويجاهدون في بيان دينه وشرعه من ألحد في كتابه ودينه، وصرفه عن موضوعه إلى آخر ما ذكر.
فتأمل قوله ﵀: دعاء القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم ليست من هذا الباب ولم يتنازع فيها المسلمون، بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفِّر كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمة نفسه وجعله مما لا خلاف بالتكفير به ولا يصح حمل كلامه هنا، على ما جزم هو بأنه كفر.
قلت: ويدل عليه كلامه المتقدم: أن من دعا عليًا فقد كفر، ثم قال: التحريف الثاني الذي قال في أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عبَّاد القبور من مسمَّى المسلمين» (١).
هذا معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في هذه المسألة.
فهم يعينون بالكفر كل من عبد غير الله باتخاذه إلهًا سواه، وإن صلى وصام وزعم الإسلام.
ولا يشترط أن يسمِّي توجهه لغير الله عبادة، ولا من عبده إلهًا، لأن الأحكام تدور مع الحقائق والمعاني دون الأسماء والألفاظ المجردة عن دلائلها فلو شرب شارب الخمر وسماه بغير اسمه فهو شارب للخمر، ولو زنا زان وسمى فعله نكاح متعة فهو زان، ولو تعامل مراب بالربا وسمى تعامله بيعًا فهو مراب
_________________
(١) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ١١٤ - ١١٣٢).
[ ١٥٩ ]