لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته. وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي، ولكن لا أتبعه، ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفّار، كحال هؤلاء المذكورين، وغيرهم.
هذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين، وأئمة السنة: أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا معرفة القلب مع ذلك، بل لابد فيه من عمل القلب، وهو حب الله ورسوله، وانقياده لدينه، والتزام طاعته، ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم: أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب، وإقراره» (١).
وقال الحافظ ابن حجر: «وفي قصة أهل نجران من الفوائد: أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام» (٢).
من هذه النقول نعلم: أن قول الصحابي الجليل عمرو بن عبسة ﵁ للنبي - ﷺ - (إني متبعك) المقصود به: «إني متبعك على إظهار الإسلام في بلد الله الحرام معك، وليس المقصود بـ (إني متبعك) أي الاتباع والطاعة التي لا يثبت عقد الإسلام إلا بالإقرار به، وهذا أمر مجمع عليه بين سلف الأمة وأئمتها، خلافًا للمرجئة الذين يقولون بأن الإيمان هو مجرد الإقرار والتصديق، دون الطاعة والاتباع.
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - تأكيدًا على هذا المعنى: «قوله:
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٩٤).
(٢) فتح الباري (٧/ ٦٩٧).
[ ٨٢ ]
فقلت إني متبعك قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» معناه: قلت له إني متبعك على إظهار الإسلام هنا وإقامتي معك، فقال لا تستطيع ذلك لضعف شوكة المسلمين، ونخاف عليك من أذى كفار قريش، ولكن قد حصل أجرك فابق على إسلامك، وارجع إلى قومك، واستمر على الإسلام في موضعك حتى تعلمني ظهرت فأتني، وفيه معجزة للنبوة، وهي إعلامه بأنه سيظهر (١).
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٩٦).
[ ٨٣ ]