(١/ش) انظر رحمك الله إلى قوله: «بعض من يدعي العلم» وأمعن فيه النظر تجد أن هذه الصفة متطابقة تمامًا على أهل الإرجاء الخبيث، الذين يريدون أن يغلقوا باب الردة ونواقض الإسلام، حتى لا يقوموا المقام الذي أمرهم الله به تجاه الردة والمرتدين، من البراءة منهم، وجهادهم حتى يرجعوا إلى الإسلام، أو يقتلوا حسمًا لمادة شرهم.
(٢/ش) بعد ما منّ الله على إمام الدعوة، الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - بفهم قضية التوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، وبعد ما تيقن أنها زبدة دعوة الرسل أجمعين، وبعد ما أدرك أن نصوص القرآن في الأمر بالتوحيد، وفي النهي عن الشرك، وأن نصوص القرآن في محاربة الشرك والمشركين شيعة الطواغيت، لم تكن في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثًا ولم تكن في قوم كانوا فبانوا
بعد هذا بدأ الإمام في دعوة قومه إلى التوحيد بإفراد الله بالعبادة، مع البراءة من المشركين وشركهم، ولم يظهر وقتئذ العداوة والجهر بالتكفير، وأحكامه لمن وقع في الشرك، حتى غلب على ظنه أن الدعوة قد بلغت، وأن
[ ٧١ ]
الحجة قد ماتت، وبذلك يستحق المخالف أن يقتل ويعاقب ويعذب امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وهذا كان دأبه في بداية دعوته، مراعاة لأحوال الناس وتقديرًا لغربة الإسلام، وانتظارا للفيئة وللنقلة المذهلة المرادة لقومه من الشرك إلى التوحيد.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة بعث بها إلى عبد الله بن عيسى: «ولولا أن الناس إلى الآن ما عرفوا دين الرسول، وأنهم يستنكرون الأمر الذي لم يألفوه، لكان شأن آخر، بل والله الذي لا إله إلا هو، لو يعرف الناس الأمر على وجهه، لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتلهم، كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم، لا أجد في نفسي حرجًا، ولكن إن أراد الله أن يتم هذا الأمر، تبين أشياء لم تخطر لكم على بال» (١).
ولقد سلّ الله لإمام الدعوة سيف الأمير محمد بن سعود - رحمه الله تعالى - لغزو الشرك وهدم حصونه وقلاعه، فسار المسلمون تحت راية التوحيد يقاتلون المعاندين من الكفار والمشركين، وكانوا كلما فتحوا قرية أقاموا فيها التوحيد، ودعوا أهلها إليه، وأمروا عليهم من يقيم حكم القرآن وشريعة الإسلام، والتي من أهم شرائعها: قتال الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
_________________
(١) الدرر السنية (٨/ ٥٤).
[ ٧٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فإذا استقر التوحيد وأحكامه في تلك القرية قاتلوا بها من بعدها ولا شك أن قتال المرتدين عن التوحيد، أو الشرائع، أو الشعائر من أهم وأظهر خصائص هذا الدين، قال الله تعالى متوعدًا المرتدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
والآن نفسح المجال للإمام الشيخ حسين بن غنام -رحمه الله تعالى- في كتابه الرائع «تاريخ نجد» المسمى «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام» ليبين لنا سبب ردة أهل «حريملا» وعلة قتالهم، ولكن قبل الشروع في المقصود لا بد أن نشير إلى أن الشيخ ابن غنام كان معاصرًا لإمام الدعوة، بل وكان من أتباعه المقربين إليه، وقد كتب هذا المرجع الذهبي الهام بطلب من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبهذا أصبح هذا الكتاب الفريد في بابه أصح واصدق ما كتب عن تاريخ الدعوة المباركة، وكل من كتبوا بعده حول هذا الموضوع فهم عيال على الشيخ حسين بن غنام، ولذلك فلقد تعين النصح بوجوب الاهتمام بهذا الكتاب، من قبل الذين يريدون فهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومراحلها التي مرت بها.
[ ٧٣ ]