الإمام محمد بن عبد الوهاب
رحمه الله تعالى
١١١٥هـ- ١٢٠٦هـ
هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، التميمي.
ولد رحمه الله تعالى سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بلدة العيينة، من بلدان نجد.
تلقى في طفولته العلم في بلدته العيينة، فحفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة من عمره، وكان حاد الفهم، وقاد الذهن، سريع الحفظ، فصيحًا فطنًا؛ روى أخوه سليمان أن أباهما كان يتوسم فيه خيرًا كثيرًا، ويتعجب من فهمه وإدراكه مع صغر سنه، وكان يتحدث بذلك ويقول: إنه استفاد من ولده محمد فوائد من الأحكام.
وكتب والده إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأن ابنه محمد، وأثنى فيها عليه، وعلى حفظه وفهمه وإتقانه، ذكر فيها أن ابنه بلغ الاحتلام قبل أن يكمل اثنتي عشرة سنة من عمره، وأنه رآه حينئذ أهلًا للصلاة بالجماعة لمعرفته بالأحكام، فقدمه أبوه ليؤم الناس. وزوجه وهو ابن اثنتي عشرة سنة بعيد بلوغه؛ ثم أذن له بالحج فحج وقصد مدينة الرسول - ﷺ - وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد أن أدى الزيارة.
[ ١٦ ]
وكان والده آنذاك قاضي العُيَيْنَة، فقرأ عليه في الفقه على مذهب الإمام أحمد وكان ﵀على صغر سنه- كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام وكان -لسرعة كتابته- يكتب في المجلس الواحد كراسًا من غير أن يتعب فيحار من يراه لسرعة حفظه، وسرعة كتابته.
فشرح الله صدره بمعرفة التوحيد ومعرفة نواقضه التي تضل عن سبيله فأخذ ينكر تلك البدع المستحدثة من الشرك الذي كان قد فشا في نجد، مع أن بعض الناس كان يستحسن ما يقول، غير أنه رأى أن الأمر لن يتم له على ما كان يريد، فرحل في طلب العلم إلى ما يليه من الأمصار، حتى بلغ فيه شأوًا فاق فيه شيوخه.
فبدأ بحج بيت الله الحرام، ثم أقام في المدينة المنورة حينًا أخذ فيه العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني وأجازه من طريقين، وهو والد إبراهيم بن عبد الله مصنف كتاب «العذب الفائض في علم الفرائض» وكذلك أخذ عن الشيخ محمد حياة السندي المدني.
ثم خرج من المدينة إلى نجد، وقصد البصرة في طريقه إلى الشام، وفي البصرة سمع الحديث والفقه من جماعة كثيرين، وقرأ بها النحو وأتقنه، وكتب الكثير من اللغة والحديث. وكان في أثناء مقامه في البصرة ينكر ما يرى ويسمع من الشرك والبدع، ويحث على طريق الهدى والاستقامة، وينشر أعلام التوحيد، ويعلن للناس أن الدعوة كلها لله: يكفر من صرف شيئًا منها إلى سواه؛ وإذا ذكر
أحد بمجلسه شارات الطواغيت والصالحين الذين كانوا
[ ١٧ ]
يعبدونهم مع الله نهاه عن ذلك وزجره، وبين له الصواب، وقال له: إن محبة الأولياء والصالحين إنما هي باتباع هديهم وآثارهم، وليست باتخاذهم آلهة من دون الله؛ وكان كثير من أهل البصرة يأتون إليه بشبهات يلقونها عليه فيجيبهم بما يزيل اللبس، ويوضح الحق، ويكرر عليهم دائما أن العبادة كلها لا تصلح إلا لله، وكان بعض الناس يستغربون منه ذلك، ويعجبون لما يظهر لهم من شدة إنكاره لعبادة الصالحين والأولياء والتوسل بهم عند قبورهم، ومشاهدهم، وكانوا يقولون: إن كان ما يقوله هذا الإنسان حقا فالناس ليسوا على شيء.
فلما تكرر منه ذلك آذاه بعض أهل البصرة أشد الأذى، وأخرجوه منها وقت الهجيرة، فاتجه إلى الشام ولكن نفقته التي كانت معه ضاعت منه في الطريق؛ فانثنى عائدًا إلى نجد؛ ومر في طريقه إليها بالأحساء ونزل فيها على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي؛ ثم اتجه منها إلى بلدة حريملا -وكان أبوه عبد الوهاب قد انتقل إليها من العُيَيْنَة سنة تسع وثلاثين ومائة وألف بعد أن توفي حاكمها عبد الله بن معمر، وتولى بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب خرفاش، فعزل الشيخ عبد الوهاب عن قضاء العيينة لنزاع بينهما.
فأقام الشيخ محمد في حريملا مع أبيه يقرأ عليه سنين، إلى أن توفي أبوه سنة (١١٥٣هـ) ثلاث وخمسين ومائة وألف؛ فأعلن دعوته، واشتد في إنكاره مظاهر الشرك والبدع وجد في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذل النصح للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام، وجدد سنة محمد - ﷺ - ولم يخش في الحق لومة لائم وحذر الناس، والعلماء منهم خاصة تحقق وعيد
[ ١٨ ]
الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
فذاع ذكره في جميع بلدان العارض: في حريملا والعُيَيْنة والدَّرْعية والرياض ومنفوحة؛ وأتى إليه ناس كثيرون، وانتظم حوله جماعة اقتدوا به، واتبعوا طريقه، ولازموه، وقرءوا عليه كتب الحديث والفقه والتفسير، وصنف في تلك السنين «كتاب التوحيد».
وانقسم الناس فيه فريقين: فريق تابعه وبايعه وعاهده على ما دعا إليه؛ وفريق عاداه وحاربه وأنكر عليه وهم الأكثر.
وكان رؤساء أهل حريملا قبيلتين أصلهما قبيلة واحدة، وكان كل فريق يدعي لنفسه القوة والغلبة والكلمة العليا، ولم يكن لهم رئيس واحد يَزَعُ الجميع؛ وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين كثر تعديهم وفسقهم، فأراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يمنعوا عن الفساد ونفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم العبيد أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه سرًا بالليل، فلما تسوروا عليه الجدار علم بهم الناس فصاحوا بهم فهربوا.
فانتقل الشيخ من حريملا إلى العُيَيْنة، ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر، فأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر.
ولما عرض على عثمان دعوته اتبعه وناصره، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره، وكان في العيينة وما حولها كثير من القباب والمساجد والمشاهد المبنية على قبور الصحابة والأولياء، والأشجار التي يعظمونها ويتبركون بها
[ ١٩ ]
كقبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، وكشجرة قريوة وأبي دجانة والذيب.
فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم، إلى تلك الأماكن بالمعاول، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة وكان الشيخ هو الذي هدم قبة قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه، وقطع شجرة قريوة: ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم.
وهكذا لم يبق وثن في البلاد التي تحت حكم عثمان، وعلت كلمة الحق، وأحييت سنة رسول الله - ﷺ - فلما شاع ذلك واشتهر، وتحدثت به الركبان أنكرته قلوب الذين حقت عليه كلمة العذاب، وقالوا مثلما قال الأولون: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] فتجمعوا على رده، والإنكار عليه ومخاصمته ومحاربته، فكتبوا إلى علماء الأحساء والبصرة والحرمين يؤلبونهم عليه، فناصرهم في ذلك أهل الباطل والضلال من علماء تلك البلاد، وصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وتغييره للشرع والسنة، وجهله وغوايته، وأغروا به الخاصة والعامة، خصوصًا السلاطين والحكام وادعوا أن ليس للشيخ وأصحابه عهد ولا ذمام، لرفضه سنة الرسول - ﷺ - وتغييره أحكام الدين، وخوفوا الحكام والولاة منه، وزعموا أنه يملأ قلوب الجهال والطغام بكلامه ويغويهم بطريقته، فيخرجون على حكامهم وولاتهم ويعلنون العصيان.
والشيخ -﵀- صابر على ما يقولون، محتسب أجره عند الله،
[ ٢٠ ]
يتعزى بما قاساه قبله الموحدون، وما لقيه المؤمنون من أنواع البلاء، وما سعى لهم به أهل الشرك والضلال. وهذه سنة الله تعالى في عباده جارية في جميع الأزمان، يختبر بها المؤمنين ويمتحن بها الصابرين فقد قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
ولم يزل الشيخ ﵀ مقيمًا في العيينة: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلم الناس دينهم، ويزيل ما قدر عليه من البدع ويقيم الحدود، ويأمر الوالي بإقامتها حتى جاءته امرأة من أهل العيينة زنت، فأقرت على نفسها بالزنا، وتكرر ذلك منها أربعًا فأعرض الشيخ عنها، ثم أقرت وعادت إلى الإقرار مرارًا؛ فسأل عن عقلها، فأخبر بتمامه وصحته، فأمهلها أيامًا، رجاء أن ترجع عن الإقرار إلى الإنكار، فلم تزل مستمرة على إقرارها بذلك، فأقرت أربع مرات في أيام متواليات، فأمر الشيخ ﵀ والوالي برجمها لأنها محصنة: بأن تشد عليها ثيابها وترجم بالحجارة على الوجه المشروع، فخرج الوالي عثمان بن معمر وجماعة من المسلمين فرجموها حتى ماتت وكان أول من رجمها عثمان نفسه؛ فلما ماتت أمر الشيخ أن يغسلوها وأن تكفن ويصلى عليها.
فلما جرت هذه الحادثة كثرت أقاويل أهل البدع والضلال، وطارت قلوبهم خوفًا وفزعًا، وانخلعت ألبابهم رهبًا وجزعًا، وتطاولت ألسنة العلماء عليه ينكرون ما فعل مع أنه لم يعد الحكم بالمشروع بالسنة والإجماع.
[ ٢١ ]
فلما أعياهم رد ما أفحمهم به الشيخ من حجج، عدلوا إلى ردها بالمكر والحيلة، فشكوه إلى شيخهم سليمان آل محمد رئيس بني خالد والأحساء، فأغروه به، وصاحوا عنده وقالوا: إن هذا يريد أن يخرجكم من ملككم ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور، ويبطل العشور والمكوس.
فلما خوفوه بذلك كتب إلى عثمان بن معمر أمره بقتله أو إجلائه عن بلده، وشدد عليه، وهدده بأنه إن لم يفعل ذلك قطع عنه خراجه الذي عنده في الأحساء -وكان خراجًا كثيرًا- وأوعده باستباحة جميع أمواله لديه.
فلما ورد على عثمان كتاب سليمان استعظم الأمر فآثر الدنيا على الدين وأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج من العيينة.
فخرج الشيخ سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف من العُيَيْنَة إلى بلدة الدَّرْعية. فنزل في الليلة الأولى على عبد الله بن سويلم، ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم.
فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، قام من فوره مسرعًا إليه ومعه أخواه: ثنيان ومشاري، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده.
فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله - ﷺ - وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته ﵃ من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانًا.
ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.
[ ٢٢ ]
فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسله الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد؛ ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين:
نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنها وتستبدل بنا غيرنا.
والثانية: أن لي على الدرعية قانونًا (١) آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئًا. فقال الشيخ: أما الأول فابسط يدك: الدم بالدم والهدم بالهدم؛ وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم.
فبسط الأمير محمد يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده. ومن أشهر الذين عاونوه وناصروه من إخوان الأمير ووزرائه وأعوانه من أهل الدرعية: ثنيان بن سعود، ومشاري بن سعود، وفرحان بن سعود، والشيخ أحمد بن سويلم، والشيخ عيسى بن قاسم، ومحمد الحزيمي، وعبد الله بن دغيثر، وسليمان الوشيقري، وحمد بن حسين، وأخوه محمد، وغيرهم.
_________________
(١) هو ما يدفعه الضعيف للقوي ليحميه ويدافع عنه، ويسمى: الخفارة والقانون في كلام أهل نجد.
[ ٢٣ ]
وقد بقي الشيخ ﵀ سنتين في الدرعية: يناصح الناس ويهديهم إلى سبيل الحق. وفي خلالهما تسلل إليه شيعته الذين في العُيَيْنَة، منهم: عبد الله بن محسن، وأخواه: زيد وسلطان المعامرة (١)، وعبد الله بن غنَّام، وأخوه موسى؛ وهاجر معهم خلق كثير من رؤساء المعامرة المخالفين لعثمان بن معمر في العُيَيْنَة، ومعهم أناس ممن حولهم من البلاد، حين علموا أن الشيخ استقر في الدَّرعية ومُنع ونصر.
فلما علم عثمان بن معمر بكل ذلك ندم على ما فعل من إخراج الشيخ، وعدم نصرته، وخاف منه أمورًا فركب في عدة رجال من أهل العُيَيْنَة ورؤسائها، وقدم على الشيخ في الدَّرعية، وأراده على الرجوع معه، ووعده النصر والمنعة، فقال الشيخ: ليس هذا إلي، إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره، إلا أن يأذن لي. فأتى عثمان إلى محمد بن سعود، فأبى عليه، ولم يجد إلى ما أتى إليه سبيلًا، فرجع إلى بلده مضمرًا العداوة والشر والغدر، وإن كان يبدي مشايعة الحق ونصرة الشيخ والأمير محمد؛ إلى أن تكرر منه المكر، وظهر نفاقه، وانكشف أمره، فقام بقتله جماعة من أهل التوحيد، بعد أن انقضت صلاة الجمعة في مصلاه بمسجد بالعيينة سنة ثلاثة وستين بعد المائة والألف.
وكاتب الشيخ بدعوته أهل البلدان ورؤساءهم ومدعي العلم فيهم، فمنهم من قبل الحق واتبعه، ومنهم من اتخذه سخريًا واستهزءوا به، ونسبوه إلى الجهل
_________________
(١) المعامرة: بنو معمر.
[ ٢٤ ]
تارة، وإلى السحر تارة أخرى، ورموه بأشياء هو بريء منها جميعًا.
وبقي ﵀ يدعو إلى سبيل ربه بالحجة الواضحة وبالموعظة الحسنة، فلم يبادر أحدًا بالتكفير، ولم يبدأ أحدًا بالعدوان، بل توقف عن كل ذلك ورعًا منه، وأملًا في أن يهدي الله الضالين؛ إلى أن نهضوا عليه جميعهم بالعدوان، وصاحوا في جميع البلاد بتكفيره هو وجماعته وأباحوا دماءهم، ولم يثبتوا دعواهم الباطلة بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله، ولم يكترثوا بما ارتكبوا بحقه من الزور والبهتان، وما اتبعوه من وسائل لإجلائه وجماعته من البلاد ومطاردتهم بالتعذيب والاضطهاد. أجل لم يأمر -﵀- بسفك دم ولا قتال على أكثر أهل الضلالة والأهواء حتى بدأوه بالحكم عليه وأصحابه بالقتل والتكفير فأمر الشيخ حينئذ جماعته بالجهاد، وحض أتباعه عليه، فامتثلوا لأمره.
وكان دائمًا يتضرع إلى الله الذي خصه بهذا الفضل أن يشرح للحق صدور قومه، وأن يكفيه بحوله وقوته شرورهم، ويصرف عنه أذاهم. وكان يسير معهم دائمًا بسيرة الصفح، ويشملهم بالعفو، ولم يكن أحب إليه من أن يأتيه أحدهم بالمعذرة فيبادر بالمغفرة؛ ولم يعامل أحدًا بالإساءة بعد أن غلب وظهر، ولو مكنهم الله تعالى منه لقطعوا أوصاله، وأوقعوا به أقبح المثلة والنكال، ولقد كان -﵀- يعلم ذلك، ولكنه لم ينتصر لنفسه بعد التمكن والظهور حين جاءوا وافدين عليه منقادين قسرًا أو طوعًا إليه، بل أخذته الرحمة بهم، فأعرض عما أتوه بحقه، وكأنه لم يصدر عليه منهم شيء، وأبدى لهم البشاشة والملاطفة، ومنحهم بره ومعروفه وإكرامه؛ وهذا الشأو لا يدركه إلا البررة الكرام، والعلماء
[ ٢٥ ]
الأعلام ممن جملهم الله تعالى بالتقوى والمعرفة والهداية.
وقد بقي الشيخ بيده الحل والعقد والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن سعود ولا من ابنه عبد العزيز إلا عن قوله ورأيه فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل، وانقاد كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز بن محمد بن سعود وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها، ولزم العبادة وتعليم العلم، ولكن عبد العزيز لم يكن يقطع أمرًا دونه ولا ينفذه إلا بإذنه.
وكان ﵀ يحيي غالب الليل قائمًا؛ يصلي ويتهجد ويقرأ القرآن، وكان من دأبه التأني والتثبت في تنفيذ الأحكام، لا يميله الهوى عن الشرع، ولا تصده عداوة عن الحق، بل يحكم بما ترجح له وجه الصواب فيه، فإن وجد نصًا في كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ - التزمه ولم يعدل عنه، وإلا رجع إلى كتب الأئمة الأربعة، وأخذ نفسه بدقة المراجعة والتحقيق للنص، وشدة البحث والكشف والتنقيب.
ومع ما أفاض الله على بيت المال من الأموال التي كانت تجبى، فقد كان ﵀ زاهدًا متعففًا، لا يأكل من ذلك المال إلا بالمعروف؛ وكان سمحًا جوادًا لا يرد سائلًا، فلم يخلف -﵀- شيئًا من المال يوزع بين ورثته، بل كان عليه دين كثير، أوفاه الله عنه.
وقد اختاره الله تعالى إلى جواره في يوم الاثنين آخر شهر شوال سنة ست بعد المائتين والألف، وله من العمر نحو اثنتين وتسعين عامًا، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأدخله جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، كفاء
[ ٢٦ ]
ما أحيا من شرع الله، وجدد من سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
(مؤلفاته ﵀):
- كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد.
- كتاب الكبائر.
- كتاب كشف الشبهات.
- كتاب السيرة المختصرة.
- كتاب السيرة المطولة.
- كتاب مختصر الهدي النبوي.
- كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه.
- كتاب مختصر الشرح الكبير.
- كتاب مختصر الإنصاف.
وله -غير هذه الكتب- رسائل كثيرة: بعضها مطول، وبعضها مختصر (١).
_________________
(١) المصدر: تاريخ نجد/ ٨١ - ٩١.
[ ٢٧ ]