السليمة البراهين الباهرة على إفكه وبطلانه.
فكان الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - يحشد ويسوق براهين دعوته من نصوص الكتاب والسُّنة، ويؤكد على أن التوحيد هو الدين الموروث من ملل الأنبياء جميعًا، وأن الله ما خلق السموات والأرض، ولا أنزل الكتب، وأرسل الرسل، إلا ليعبد - ﷻ - وحده ولا يشرك به شيئًا.
وعلى ذلك قامت ساق العداوة بين الإمام وقومه من المشركين، كما قامت من قبل، وستقوم بين كل داع للتوحيد، وأعداء الحق من المشركين والطواغيت.
وعلينا أن نَعْلم، ونُعلِّم أن الأسوة في هذه المعركة قد نص القرآن عليها. فقال سبحانه في محكم التنزيل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقد نص الإمام الطبري إمام المفسرين على الإطلاق: على أن (الذين معه) هم: الأنبياء.
فملة الأنبياء جميعًا: هي البراءة من المشركين، ومباينة الكافرين، ومعاداتهم مع ترك موالاتهم.
وأن هذه العداوة والبغضاء والمفاصلة بيننا وبينكم مستمرة أبدًا حتى توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا معا تعبدون معه من الآلهة
[ ١٠٣ ]
والأرباب والطواغيت والأنداد
قال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى -: «قال ابن زيد في قول الله ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، قال: الذين معه الأنبياء
وقوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
يقول: حين قالوا لقومهم، الذين كفروا بالله وعبدوا الطاغوت. يا أيها القوم إنا برآء منكم، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قول أنبيائه لقومهم الكفرة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله، وجحدنا عبادتكم وما تعبدون من دون الله أن تكون حقا، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفركم وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا، ولا هوادة ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.
حتى يقول: تصدقوا بالله وحده فتوحدوه وتفردوه بالعبادة (١).
ألا إن معالم الطريق قد بانت، فهل من مشمر عن ساق الجد، فالطريق طويل، والدرب موحش، والأعداء متربصون، والعاقبة كؤود فلابد من زاد فيا الله «أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين».
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٢٥٩).
[ ١٠٤ ]
ويا الله «لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب».
ويا ربنا تول أمرنا، واسلل سخيمة صدورنا، وثبت أقدامنا، واجعلنا مطمئنين بوعدك، مجاهدين في سبيلك، ندور مع كتابك حيث دار، غير آبهين بكيد الفجَّار، وظلم الطواغيت
[ ١٠٥ ]
(١)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم/ ٢٥٩.
[ ١٠٦ ]