على التوحيد والإسلام، وكان الناس متفقين عليه، ثم دب الشرك فيهم عندما انتشر الجهل بينهم، وتنسخ العلم بالتوحيد، فعند ذلك اختلف الناس فبعث الله النبيين ليحكموا بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، فنصوا على أن الشرك افتراء على الله، وأنه ذنب عظيم تجب التوبة منه، وإلا صار أهله من أصحاب النار خالدين فيها أبدًا.
وكذلك نص الأنبياء: على أن الجنة لا تدخلها إلا نفس موحدة لله بالعبادة، ومستسلمة له بالطاعة، وهكذا فصلوا في اختلاف الناس.
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[البقرة: ٢١٣].
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (١).
قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا»،
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٢/ ٣٤٧).
[ ١٨٨ ]
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار، عن محمد بن بشار، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (١)، وكذا روى أبو جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، قال: كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، فكان أول نبي بعث نوحًا. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس ﵄ أولًا.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: كانوا كفارًا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأول عن ابن عباس ﵄ أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا -﵇- فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
_________________
(١) المستدرك (٤٠٠٩)، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري (٢/ ٥٩٦).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٧٣ - ٥٧٤).
[ ١٨٩ ]