بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة فلم يصح إيمانه؛ والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطنًا وظاهرًا.
وذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقدًا لحقيقتها وأن لا يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادًا ولا هازلًا. فإذا تكلم بالكفر أو الكذب جادًا أو هازلًا. كان كافرًا أو كاذبًا حقيقة، لأن الهزل بهذه الكلمات غير مباح فيكون وصف الهزل مهدرًا في نظر الشرع لأنه محرم، فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها» (١).
وبعد هذه النقول عن العلامة ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحق لنا أن نؤكد على عدم تكفيره للمعين إلا بعد قيام الحجة، هو مقيد بعدم الوقوع في نقض التوحيد الذي هو أصل الدين.
وهذا المعنى ظاهر واضح جلي في نصوص ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه ﵏ جميعًا.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب مؤكدًا على أن عدم تكفير ابن تيمية للمعين إلا بعد إقامة الحجة مقيد بعدم الوقوع في الشرك والردة، وأنه في المسائل الجزئية، فقال في رسالة بعث بها إلى واحد لبس عليه علماء الإرجاء
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٤ - ٦٥).
[ ١٤٣ ]
بكلام ابن تيمية في حكم تكفير المعين.
«وأما عبارة الشيخ: التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر، إلا إذا قامت عليه الحجة.
فإن كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه: أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليه الحجة بالقرآن، مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
وإذا كان كلام الشيخ، ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كان من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم، في مسائل الصفات أو مسألة القرآن أو مسألة الاستواء أو غير ذلك: مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه، ويسبون
من خالفه.
فلو قدرنا أنَّها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين، مذهب رسول الله - ﷺ - ومن معه، ثم يحكي مذهب
[ ١٤٤ ]