وقرأ عليه القرآن فلم يقر ولم ينكر، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق» (١).
فكفار قريش قد علموا من أول يوم من بعثة النبي - ﷺ -: أنه قد أرسل بحرمة الشرك وتكفير المشركين، فكيف يخفى على صحابة النبي - ﷺ - المؤمنين به ما لا يخفى على مشركي قريش الكافرين به؟!!
ونص العلامة ابن قيم الجوزية على أن من مات على الشرك قبل البعثة فهو في النار، معللًا ذلك بأن حرمة الشرك، والعقوبة عليه كانت معلومة من دين الرسل، ومتداولة بين الأمم فقال -رحمه الله تعالى-: «من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم، قرنًا بعد قرن.
فلله الحجة البالغة. على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها.
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ٢٧).
[ ١٧٨ ]
فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم» (١).
فانظر رحمك الله تعالى قول الإمام تجده نصًا في المسألة، فإذا كان الوعيد على الشرك معلومًا لكفار قريش قبل البعثة، فكيف بالعلم به بعد البعثة المحمدية، بل وفي أواخر عهد النبوة في وقت غزوة حنين، فكيف بعلمه في ذلك الوقت بين المؤمنين.
وقال الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حمدان بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: «يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار)، فلما قفى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار)» (٢).
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لهذا الحديث، ناصًا على أن كفار قريش كانت الحجة مقامة عليهم، قبل بعثة النبي - ﷺ -، فكيف بالأمر بعد بعثته الشريفة.
«باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين».
قوله: «أن رجلًا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار)، فلما قفى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٥٨٨).
(٢) صحيح مسلم (٢٠٣).
[ ١٧٩ ]
فيه: أن مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين.
وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه
عليهم» (١).
وقال الإمام القرطبي مؤكدًا على أن النبي - ﷺ - قد بين من أول يوم التوحيد، وضده من الشرك والتنديد، وعاقبة كل منهما: «ولم يزل النبي - ﷺ - من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلد في النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة» (٢).
فالتوحيد ما زال معلومًا بين المشركين قبل بعثة النبي - ﷺ - ثم جهر به وبأحكامه من أول يوم من بعثته الشريفة، إلا أن بعض السفهاء أصروا على أن يكون التوحيد في غربة بعد بعثته، وأن صحابته الكرام ما زالوا يقعون في الشرك الأكبر واحدًا تلو الآخر، وسوف يعلمون في أرض المحشر من أولى بأطهر جيل عرفه التاريخ نحن أم هم؟!!
ولا تظن أخي القارئ أن في المسألة خلاف، فالقرآن فاصل بيننا وبينهم
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٧٩).
(٢) تفسير القرطبي (١٩/ ١٨٦).
[ ١٨٠ ]