أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرا! فأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد) (١).
وأما «مناة» فكانت بالمُشَلَّل - عند قُدَيد، بين مكة والمدينة - وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويُهلّون منها للحج إلى الكعبة.
وروى البخاري عن عائشة ﵂ نحوه (٢). وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.
قال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحُجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوفاتها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم - ﵇ -، ومسجده، فكانت لقريش وبني كنانة العُزّى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها
_________________
(١) سنن النسائي (٣٧١٦، ٣٧١٧) وسنن ابن ماجه (٢٠٩٧)، وصححه ابن حبان (٤٣٦٤)، ومسند أحمد (٥٩٠) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين في تحقيقه للمسند (١/ ١٨٣).
(٢) صحيح البخاري (٤٨٦١).
[ ١٦٣ ]
بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم.
قلت: بعث إليها رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد ﵁ فهدمها، وجعل يقول:
يَا عُزّ، كُفْرَانَك لا سُبْحَانَك إني رأيت الله قَدْ أهَانَك
وقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فُضَيْل، حدثنا الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْلِ قال: لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات، فقطع السَّمُرات، وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره، فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئًا» فرجع خالد، فلما أبصرته السَّدَنة -وهم حَجَبتها- امعنوا في الحِيَل وهم يقولون: «يا عزى، يا عزى» فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره، فقال: «تلك العزى» (١).
قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سَدَنتها وحجباها بني مُعتب.
قلت: وقد بعث إليها رسول الله - ﷺ - المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجد الطائف.
_________________
(١) النسائي في السنن الكبرى (١١٥٤٧)، ومسند أبي يعلى (٩٠٢)، وعزاه الهيثمي في المجمع للطبراني، وقال: فيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف (١٠٢٥٥).
[ ١٦٤ ]
قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المُشلَلَ بقديد، فبعث رسول الله - ﷺ - إليها أبا سفيان صخر بن حرب - ﵁ - فهدمها، ويقال: علي بن أبي طالب - ﵁ -.
قال: وكانت ذو الخَلَصة لدَوس وخَثعم وبَجِيله، ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَالة.
قلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية.
فبعث إليه رسول رسول الله - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي فهدمه.
قال: وكانت فَلْس لطيئ ولمن يليها بجبلي طيئ من سَلمى وأجا.
قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرّسُوب والمخْدَم، فَنفَّله إياهما رسول الله - ﷺ - فهما سيفا علي.
قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت.
قال ابن إسحاق: «وكانت «رُضَاء» بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:
[ ١٦٥ ]
ولقد شَدَدْتُ عَلَى رُضَاء شَدّة فَتَرَكْتُها قفرًا بِقَاع أسحَمَا (١)
هذه كانت آلهة المشركين، وتلك كانت أحوالهم المتردية في أوحال الجاهلية ولكن لمّا سطع نور النبوة، وأشرقت شمس الرسالة، خرج من بين ظهراني أهل الجاهلية الأولى: أفضل جيل عرفه التاريخ.
ولقد رأينا كيف بدد نور التوحيد ظلمات الشرك، وكيف قهر بريق الإيمان سواد الكفر ورحم الله الإمام مالك حيث قال: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينًا» (٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٤٥٥ - ٤٥٧).
(٢) انظر: مناسك الحج والعمرة للألباني/ ٤٦.
[ ١٦٦ ]