أبي بكر ﵁ حكموا عليهم بالردة بمنع الزكاة، وكأصحاب علي وأهل المسجد الذين بالكوفة، وبني عبيد القدَّاح، كل هؤلاء حكموا عليهم بالردة بأعيانهم، ثم قال: وأما عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها: بأن المعيَّن لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعيَّن يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم: أن قيامها ليس معناه أن يفهم (١) كلام الله ورسوله، مثل أبي بكر الصديق ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر به، فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾
[الأنفال: ٢٢].
(المقالات الخفية، والمسائل الجزئية، هي التي لا يكفر المعيَّن فيها إلا بعد إقامة الحجة).
وإذا كان كلام الشيخ ليس في الردة والشرك بل في المسائل الجزئيات ثم
_________________
(١) المراد بفهم كلام الله هنا، أن يتفطن العبد إلى مراد الله من الدليل، ويستوعب وجه الاستدلال منه، وليس المقصود أن يفهم دلالة الألفاظ، ويدرك معانيها أي: البيان. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: ٤]. والدليل على ذلك: أن القرآن لو قرئ كاملًا على أعجمي بدون ترجمان لم تقم عليه الحجة بيقين. هذا والله أعلى وأعلم.
[ ١٥١ ]