بأيديكم وتدعون رب العالمين.
فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلم بالعقل لم يخاطبهم بهذا، إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهيًا عنه، لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد، مبينًا كيفية وقوع الشرك في قوم نوح -﵇-، والفوائد المترتبة على هذه القصة، والعبر المستفادة منها: «قوله في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت» (٢).
قوله وفي الصحيح، أي: صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: «صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٧٩ - ٦٨٣).
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١٩٣ ]
أما «ود» فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما «سواع» فكانت لهذيل، وأما «يغوث» فكانت لمراد، ثم لبني غطيف، بالجرف عند سبأ، وأما «يعوق» فكانت لهمدان، وأما «نسر» فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح إلى آخره (١).
وروى عكرمة والحاكم وابن إسحاق نحو هذا، قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة فصورهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم (٢)
قوله: «ونسي العلم» (٣) ورواية البخاري «وتنسخ» (٤) وللكشميهني «ونسخ العلم» (٥) أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل، حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: «عبدت» لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تفسير الطبري (١٢/ ٢٥٣).
(٣) صحيح البخاري (٤٣٣٦)، وانظر فتح الباري (٨/ ٦٦٩).
(٤) صحيح البخاري (٤٣٣٦)، وانظر فتح الباري (٨/ ٦٦٩).
(٥) صحيح البخاري (٤٣٣٦)، وانظر فتح الباري (٨/ ٦٦٩).
[ ١٩٤ ]
معبودهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك ..
قوله: «ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» أي: طال عليهم الزمان وسبب تلك العبادة والموصل إليها هو ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثانًا تعبد من دون الله، كما ترجم (١) به المصنف -رحمه الله تعالى- فإنهم تركوا بذلك دين الإسلام، الذي كان أولئك عليه قبل حدوث وسائل هذا الشرك، وكفروا بعبادة تلك الصور، واتخذوهم شفعاء، وهذا أول شرك حدث في الأرض.
قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها (٢) اهـ.
قال ابن القيم ﵀: «وما زال يوحي الشيطان إلى عباد القبور ويلقي
_________________
(١) والباب هو: «ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين».
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (٢١/ ٢٦١، وما بعدها).
[ ١٩٥ ]