وقال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في ذات المعنى: «قال - ﷺ -: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد)، وذم الخطيب الذي قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى» (١) سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ.
ولهذا قال للذي قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًا) فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمها» (٢).
نعود إلى المراد من الحديث فنقول: إن الذين طلبوا من النبي - ﷺ - أن يجعل لهم ذات أنواط، كانوا حدثاء عهد بكفر، وأنهم طلبوا ولم يفعلوا، ونص العلماء على أن طلبهم كان لمجرد مشابهة المشركين، وليس لاتخاذ إله يعبد مع الله.
وقد قدمنا الآيات والأحاديث الواردة في شأن عصمة الدماء والأموال، وبينّا أنها بفهم سلف الأمة وأئمتها قد غدت قاعدة كلية متواترة تنص على أن العبد حتى ينتقل من الكفر إلى الإسلام، وحتى يصح له أصل دينه وإيمانه لا بد أن يقر ويلتزم بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا وولاءً وبراءً.
ومن ثم فإذا جاءت بعض النصوص الجزئية تتعارض في ظاهرها مع
_________________
(١) صحيح مسلم (٤٨)، وسنن أبي داود (١٠٩٧).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٤٦).
[ ١٧٦ ]
منطوق هذه القاعدة الكلية، فينبغي أن تتنزل على مقتضاها ومؤداها، امتثالًا لقول المولى جل في علاه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
ونحن نجزم بأن القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بيقين، إذا كيف يجهلونه، وقد كان معلومًا علمًا متواترًا بينهم: أن النبي - ﷺ - قد بعث بإيجاب التوحيد، وتحريم الشرك بالله في عبادته وطاعته.
فمن أول يوم جهر النبي - ﷺ -، وصاح بأعلى صوته في آذان المشركين: بعيب دينهم، وتسفيه عقولهم، وتكفير آبائهم، الذين ماتوا على الشرك قبل بعثته.
فإذا كان المشكرون لا يجهلون هذا، فهل يتصور أن يقع في الجهل به صحابة النبي - ﷺ -؟!!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق - ﵁ - لقي رسول الله - ﷺ - فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد: من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (بلى إني رسول الله، ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق أدعوك يا أبا بكر، إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته).
[ ١٧٧ ]