مشابهة الكفار والمشركين أصل كل بلاء ومصيبة حلت على أتباع الرسل والنبيين - صلوات ربي وسلامه عليهم -، ولا يستفحل هذا الداء العضال في أمة إلا ويردها على أعقابها، ويركسها في حمئة الجاهلية، ومن ثم ينفتح باب الردة عن التوحيد والملة الحنيفية.
يقول فذّ العلماء، العالم الرباني ابن تيمية في بيان أن مشابهة الكفار قد آلت بالعرب إلى الوقوع في الشرك، والردة عن الملة الحنيفية، دين إبراهيم الخليل ﵇، وأن أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي هو بسبب الوقوع في مشابهة الكفار والمرتدين، وأيضا: ففي الصحيحين: عن الزهري عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: «البحيرة: التي يُمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يُحمل
عليها شيء».
وقال: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَه في النار، كان أولَ من سَيَّب السوائب» (١).
وروى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت عمرو بن لُحّيِّ بن قمعة بن خندف، أخا بني كعب، وهو يجر قُصْبَه في النار» (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٣٣٣) باب قصة خزاعة.
(٢) صحيح مسلم (٥٠).
[ ٩٠ ]
والبخاري من حديث أبي صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة» (١).
هذا من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو أول من نَصَب الأنصاب حول البيت. ويقال: إن جلبها من البلقاء من أرض الشام، متشبهًا بأهل البلقاء. وهو أول من سَيَّب السائبة. ووصل الوصيلة. وحم الحامي. فأخبر النبي - ﷺ - أنه «رآه يجر قصبه في النار» وهي الأمعاء، ومنه سمي القَصَّاب بذلك، لأنها تشبه القَصَب.
ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد والحنيفية السمحة، دين أبيهم إبراهيم فتشبهوا بعمرو بن لحي، وكان عظيم أهل مكة يومئذ، لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظَّمين من زمن إبراهيم ﵇. فتشبه عمرو بمن رآه في الشام. واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي تعظيمًا لله ودينًا (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٣٣٢).
(٢) لم يكن عمرو بن لحي حرم هذه الأنعام والحرث تحريمًا مطلقًا على كل أحد ولكنه جعلها وقفًا وحبسًا على أوليائهم وأوثانهم، وعلى سدنتها والعاكفين عندها. «والبحيرة» و«السائبة»، و«الوصيلة» و«الحامي» أسماء لكل نوع منها. فالبحيرة: التي بحرت أذنها، أي شقت وسمة لها وتخصيصها من غيرها من بقية الأنعام، حتى تعرف بذلك أنها خاصة بفلان من آلهتهم. والسائبة: المسيبة. ترعي حيث تشاء لا تمنع. لأن لها حقًّا في كلأ كل أحد، كما لمن سميت باسمه وحبست له من هذا الحق في مال الجميع. والوصيلة: التي وصلت بولادتها الإناث متتابعات. والحامي: الذي حمى ظهره لأنه نسل من ضرابه عشرة أبطن. والحرث: من أنواع الطعام الذي يصنع في أعياد الآلهة وموالدها. وهذا كله موجود اليوم فيمن يتسمون المسلمين: يحرمون الشاة على أهليهم وأنفسهم إلا إذا جاء موعد نذرها لفلان من الأولياء، أو في مولده. وكذلك بقية ما يصنعون من الأطعمة؛ قاله الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله تعالى- في تعليقه على الكتاب محل النقل.
[ ٩١ ]
فكان ما فعله أصل الشرك في العرب أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبهًا فيه بغيره من أهل الأرض. فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشركُ بالله ﷿، وتغير دينه الحنيف إلى أن بعث الله رسوله - ﷺ -، فأحيا ملة إبراهيم ﵇، وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه.
وفي سورة الأنعام من عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ
مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ
سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخر السورة، خطاب مع هؤلاء الضرب.
ولهذا يقول تعالى في أثنائها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
[ ٩٢ ]