قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
(عدم تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب للمعين هو فيما دن نقض التوحيد بالشرك):
تكلم ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن حكم تكفير أهل البدع والأهواء، وعرض الخلاف في تكفيرهم، ثم رجَّح عدم التكفير، وذكر أن سبب التنازع في هذه المسألة هو تعارض النقول عن الأئمة المتقدمين، أمثال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط وأحمد بن حنبل ونظرائهم، وبين - رحمه الله تعالى - أن التكفير له شروط وموانع، وأن إطلاقه لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع وأخذ يحشد الأدلة على هذه المسألة والتي منها الأحاديث التي أخبرت بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير.
ثم قال - رحمه الله تعالى - «وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن
النبي - ﷺ -، أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان والخير وإن كان قليلًا، وأن الإيمان مما يتبعض ويتجزأ.
ومعلوم قطعًا: أن كثيرًا من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الإيمان
[ ١٣٨ ]
بالله ورسوله - ﷺ - إذ الكلام فيمن يكن كذلك.
ثم أخذ الإمام في عرض اختلاف السلف في بعض المسائل العلمية الخبرية، وأنهم قد اتفقوا على عدم التكفير فيها، ثم أخذ في حشد النصوص القرآنية التي تنص على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة الرسالية، ثم قال: فمن كان قد آمن بالله ورسوله - ﷺ -، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول - ﷺ - فلم يؤمن به تفصيلًا، إما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، واعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله ورسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه الحجة التي يكفر مخالفها
وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهَّال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفَّار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.
وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين
له المحجة.
ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة
[ ١٣٩ ]